محمد الامين التجاني*
في ظل المتغيرات المتسارعة وكثرة الحديث عن الأنظمة الغذائية المختلفة، وتعاظم المهددات والمشاكل الصحية التي تتربص بالإنسان المعاصر، تبرز تجربة مجلة (مذاق خاص) في السودان كعلامة فارقة وتجربة متفردة، ثقافياً وتوعوياً. لقد نجحت المجلة في إرساء دعائم متينة في محوري التغذية والصحة، والتعريف بالأنماط الغذائية الأصيلة،وقضايا الوفرة و الوفورات، الانتاج و حفظ الغذاء موروثه و مستقبله، فضلاً عن إبراز الأهمية القصوى لمفهوم (التداوي بالغذاء). ولم يكن هذا الجهد عفوياً، بل جاء مرتكزاً على شراكات علمية متعددة مع الجامعات ومراكز البحوث، وعبر استكتاب نخبة من الباحثين المتخصصين. لقد غاصت المجلة في أعماق الثقافة والموروث المجتمعي القديم للتغذية، وربطته بالطب النبوي وما يتوافق معه من تطور علمي حديث يخدم مصلحة المجتمعات وقدمت خلال ٨ اعوام جهد ومادة متخصصة في غاية التميز و عظيم الفائدة توعويا،بحثيا ، المستثمرين و متخذ القرار .
إن مفهوم الأمن الغذائي يفوق في جوهره وأهميته سائر الأنواع الأخرى من الأمن التي ينصبّ عليها التركيز عادةً من الانظمة، وللأسف، تكتفي الأنظمة الحاكمة غالباً بالتعاطي مع الأمن الغذائي من زاوية تأثيره السياسي الكلي، متجاهلةً أبعاده المجتمعية الحيوية. ولقد كان لنا شرف ارساء و دعم هذه التجربة الرائدة ومساندتها منذ مرحلة التأسيس، رفقة عقول وقلوب محبة تقاسمنا معاً رهق هذه الرحلة الطويلة وعنتها. ورغم كل التحديات، يظل إيماني راسخاً بضرورة مواصلة هذا الدرب؛ فعلى الرغم من وطأة الحرب وظلالها القاتمة التي ألقت بظلالها على الأنشطة المختلفة، يبدو منطقياً ألا يلتفت الكثيرون للأولويات التوعوية والصحية في أزمنة الحروب وعدم الاستقرار..لكن، وبالنظر إلى ما تمر به المجتمعات اليوم، وما يلوح في الأفق من مخاطر محدقة تطال الغذاء في أنماطه،
و مهددات الصحة، يتضح لنا أن الغذاء يظل أداة في معركة خفية تُدار ضد الشعوب؛ معركة تتزامن مع تزايد الأطماع الدولية في الثروات والمساحات الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، وفي وقت تشهد فيه الساحة غياباً شبه كامل للأغذية والمنتجات الطبيعية الأصيلة و زحف المعدل وراثياً غير الآمن والاخطر المعركة المتصاعدة في البذور والتقاوي واتجاهات السيطرة عليها وهي أم المعارك الغذائية.
إن كل هذه المهددات المجتمعة تجعل من تمسكنا بهذا الجهد التوعوي الهام أمراً حتمياً لا غنى عنه، بل تفرض علينا بذل الجهد فيه و تقويته ليكون في قمة أولويات المجتمع والدولة معاً كخط دفاع ليس فقط عن صحة الإنسان وهويته الغذائية بل في البقاء والوجود .
مع كثرة الحديث عن الأنظمة الغذائية المتبعة في غذاء الانسان نظرا لتزايد المهددات و المشاكل الصحية للانسان، تظل تجربة مجلة ( مداق خاص) في السودان تجربة متفرده ثقافيا وتوعويا في محوري التغذية والصحة والتعريف بالانماط الغذائية الاصلية، و الاهم ابراز اهمية مفهوم التداوي بالغذاء ، عبر شراكات متعددة مع الجامعات و مراكز البحوث واستكتاب الباحثين ، و في البحث في الثقافة والموروث المجتمعي القديم للتغذية وربطه بالطب النبوي، وحديث واقع الانسان وما لا يتعارض من تطور علمي لخير المجتمعات.
ان الامن العذائي يفوق اهمية الانواع الاخري التي تركز للاسف علي انظمة الحكم وتتعاطي من الامن العذائي فقط في ناحية تأثيره السياسي وليس المجتمعي، و لقد تشرفت ضمن ادواري المجتمعية تأسيس هذه التجربة مع السيدة إسعاد العبيد والاستاذ مصعب الصاوي ، ساندتنا قلوب محبة شاركت رهق الرحلة، غاب وارتحل عن دنيانا البعض رحمهم الله ، وانضم الينا من يماثلنا في الهم والفكر ، لكني شديد الايمان بهذا الجهد واهمية مواصلته ، رغم تأثير واقعنا السياسي السلبي في سنوات صدور المجلة الذي اعقبته الحرب علي الانشطة المختلفة وبالطبع تتدحرج بعض الاولويات و يصعد غيرها في ازمنةعدم الاستقرار ..
لكن ما تمر به المجتمعات الانسانية عالميا و اقليميا اليوم وماهو منظور من مخاطر في الغذاء وانماطه والدواء وانواعه في المعركة الخفية التي تجري ضد الشعوب ، وتزايد المطامع في الثروات والاراضي الصالحة
و غياب الاغذية و المنتجات الطبيعية الاصيلة الطبيعية الآمنه، كل هذا ادعي للتمسك باهمية هذا الجهد التوعوي الهام في هذا المعركة و رفعه في قمة اولوية المجتمع و الدولة.
*ناشر مجلة (مذاق خاص)
