١. مع انهيار المليشيا وتفكك بنيتها العسكرية والسياسية، وفشل جناحها السياسي، اتجهت الإمارات تحت ضغط الصدمة وفشل رهاناتها السابقة نحو توسيع دائرة الصراع، عبر الضغط على مصر لتأجيل خلافاتها مع إثيوبيا، تمهيداً للدفع بها إلى واجهة المواجهة مع السودان بصورة أكثر وضوحا.
٢. هذه الخطوة نسفت كثيرا من السرديات التي صاحبت الحرب منذ بدايتها، والمتمثلة في توصيفها باعتبارها صراعا بين جنرالين أو مواجهة مرتبطة بالإسلاميين.
٣. سقوط خطاب توصيف الحرب، الذي تبنته المجموعات المرتبطة بالإمارات، وضع تلك المجموعات أمام واقع سياسي بالغ الحرج.
٤. وفي المقابل، فإن دخول إثيوبيا على خط المواجهة عزز رواية السودان بأن ما يجري ليس مجرد أزمة داخلية، وإنما حرب تشارك فيها أطراف خارجية بصورة مباشرة وغير مباشرة.
٥. إن إدخال إثيوبيا في هذا المشهد لا يعني فقط تعقيد الأزمة السودانية، وإنما يفتح الباب أمام احتمالات اشتعال إقليمي واسع، بالنظر إلى حساسية منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارها منطقة ممرات مائية وتوازنات دولية، خاصة أن تداعيات مضيق ما زالت حاضرة في الحسابات الدولية.
٦. وفي المقابل، فإن ما جرى على الأرض كشف أن جزءا كبيرا من رهانات الرباعي الدولي كان قائما على تقديرات خاطئة.
٧. فالسودان، رغم حجم الخسائر والمعاناة، استطاع الصمود في مواجهة محاولات فرض واقع سياسي يخدم الأهداف الأمريكية والإسرائيلية.
٨. إن محاولات إعادة إنتاج أدوات الضغط القديمة لن تنجح في كسب دعم دولي واسع، لأن تجربة الغرب مع نظام الإنقاذ أثبتت أن العزل السياسي ومحاولات الاستنزاف الاقتصادي لم تؤد إلى النتائج المطلوبة، خاصة في ظل مجتمع ظل متماسكا حول قضاياه الوطنية الكبرى.
٩. والشاهد أن سقوط الإنقاذ لم يكن نتيجة الضغوط الخارجية وحدها، وإنما جاء بسبب خلافاتها الداخلية.
١٠. لذلك فإن أي محاولة لتكرار السيناريو ذاته لن تحقق النتائج التي يتوقعها أصحاب هذه الرهانات.
١١. لقد أثبت الشعب السوداني، رغم المعاناة، أن القرار ظل في يده، وأن أي مشروع سياسي مفروض من الخارج، ومتجاوز للمزاج الشعبي، لن يكتب له النجاح.
١٢.الغرب لم يعد يمتلك القدرة على فرض شروطه كما كان يفعل في مراحل سابقة
فامريكا تواجه تحديات
غيرت من أولوياتها ولو مؤقتا مما يحد من تدخلها في مغامرات مفتوحة.
١٣. كما أن التباينات داخل المؤسسات الأمريكية ظهرت
بوضوح داخل الكونغرس الأمريكي بشأن الدور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية،ومنها السودان.
١٤.امريكا رغم ضغوط بعض حلفائها، تدرك أن أي انفجار واسع في السودان لن يبقى داخل حدوده، وإنما سيمتد إلى القرن الأفريقي، وسيشمل تأثيره ملفات لا تبدو واشنطن ولا أوروبا مستعدتين لتحمل كلفتها في الظروف الحالية.
١٥. وفي الإطار الإقليمي، فإن التماهي المصري مع إثيوبيا يعني عمليا تراجع فاعلية ما كان يعرف بالرباعية، خاصة وأن القاهرة كانت تمثل الجسر الأكثر أهمية داخل هذا الترتيب الإقليمي.
١٦. وعلى الأرض، فإن التطورات العسكرية الأخيرة جعلت الحديث عن إعادة إنتاج اتفاق جده أو العودة إلى الصيغ القديمة، أقرب إلى محاولة التمسك بواقع تجاوزته الأحداث.
١٧. فالمليشيا أصبحت أضعف من أن تكون طرفا تفاوضيا فاعلا، كما أن المجموعات المرتبطة بها أو المرتبطة بالخارج ثبت عجزها وعدم قدرتها على كسب ثقة الشارع السوداني أو تمثيله.
١٨. ولهذا فإن أي محاولة لإعادة إنتاج المشهد السياسي القديم، عبر فرض ذات الواجهات أو ذات الترتيبات السابقة، ستصطدم برفض شعبي واسع، لأن المزاج العام داخل السودان تجاوز كثيرا من الحسابات التي كانت مطروحة في بداية الحرب.
١٩. إن تراجع القدرة الغربية على فرض المعادلات القديمة هو ما يمنح السودان مساحة أكبر للاستمرار في مقاومة الضغوط ومحاولات إعادة تشكيله سياسيا وأمنيا، خاصة مع اتساع إدراك كثير من الدول أن النظام الدولي نفسه يعيش مرحلة إعادة توازنات، لا مرحلة قطب منفرد قادر على فرض إرادته بسهولة.
٢٠. الكرة الآن في ملعب القيادة السياسية للاستفادة من هذه التحولات الإقليمية والدولية، وبناء مقاربة أكثر ثقة بقدرة السودان على فرض معادلته الوطنية، بعيدا عن الضغوط ومحاولات إعادة إنتاج الصيغ القديمة أو الاستثمار في واجهات فقدت تأثيرها الشعبي والسياسي.
تحياتي
الفاتح الشيخ
١٤ مايو ٢٠٢٦م
