“الحوار” الغلب شيخ البلد

المبر محمود

حين وصل الجنرال فيديل راموس إلى رئاسة الفلبين عام 1992، كانت بلاده تعيش واقعاً مضطرباً، وتواجه أكثر من أزمة في وقت واحد. فهنالك تمرد شيوعي يقوده “الجيش الشعبي الجديد” وحركات انفصالية مسلحة تسيطر على جزء من الجنوب، ونخباً سياسية ضعيفة ومتناحرة ومنقسمة، بل إن الصراعات امتدت وقتها إلى داخل القوات المسلحة نفسها. ومع ذلك، لم ينتظر راموس أن تتفق هذه القوى فيما بينها على صيغة للحوار أو الاستقرار السياسي، وإنما بادر من موقعه كرئيس للدولة، فأنشأ لجنة الوحدة الوطنية، وكلفها بإجراء مشاورات واسعة مع قطاعات المجتمع لصياغة عملية سياسية شاملة. وخلال نحو ستة أشهر، طافت اللجنة 71 إقليماً من أصل 76، واستمعت إلى القوى السياسية والاجتماعية والجماعات المتنازعة حول رؤيتها للحرب والسلام ومستقبل البلاد، ثم عادت بتوصياتها إلى راموس، الذي بنى عليها الإطار الرسمي للعملية السياسية، ومهّد بذلك لمرحلة من التوافق السياسي والمجتمعي أسهمت لاحقاً في استقرار بلاده.

حضرت في ذهني هذه التجربة وأنا أستمع إلى كلمة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بمناسبة عيد الجيش، والتي دعا خلالها إلى الحوار الوطني، قائلاً: “إن مجموعة وطنية من أبناء السودان تداعت من تلقاء نفسها لإطلاق مبادرة الحوار السوداني”. وإن الدولة ستوفر لها الضمانات اللازمة، على أن تتولى هيئة مستقلة إدارة الحوار. قال هذا في لحظة سياسية بالغة التعقيد؛ فالقوى السياسية والمجتمعية موزعة بين مواقف متباعدة، والثقة بينها منعدمة إلى الحد الذي بات فيه كل طرف ينظر إلى مبادرات الطرف الآخر بالحذر والشك. وفي مناخ كهذا، كان من الطبيعي أن يتحول الجدل من مضمون المبادرة إلى الأشخاص الذين تقدموا بها، مواقعهم، وخلفياتهم، ومن يمثلون، ولماذا هم دون غيرهم؟ ولهذا كنت أفضل أن يطلق البرهان المبادرة بنفسه دون تعليقها في رقبة الأخرين، فبصفته الدستورية والسياسية والعسكرية، يمكنه أن يعلن ان الدولة تريد فتح حوار مجتمعي وسياسي حول مستقبل البلاد، ثم يضع إطاره العام وأجندته الرئيسية، ثم يفتح الباب أمام المجتمع والفاعلين السياسيين وكافة أصحاب المصلحة لمناقشته والمشاركة في صياغة تفاصيله. وعندها سينتقل النقاش إلى أجندة الحوار والقضايا التي يريد معالجتها، بدلاً من أن يظل سجالاً حول الأشخاص الذين حملوا اسمه، كما هو حادث الآن.

موقع البرهان اليوم يختلف عن موقع أي طرف سياسي آخر على الساحة السودانية. فهو رئيس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة، والمسؤول الأول والفعلي عن السلطة التي تدير الدولة في ظل الاضطراب الذي تعيشه البلاد. وحتى خصومه السياسيون أنفسهم يتعاملون معه على هذا الأساس؛ ويقدمون إليه رؤاهم لإنهاء الحرب وإحلال السلام وتصميم العملية السياسية، والمجتمع الدولي يتعامل معه أيضاً باعتباره رأس السلطة القائمة في السودان. وهو الذي تخوض القوات المسلحة تحت قيادته الحرب، ويتحدث السفراء والدبلوماسيون في المحافل الدولية باسم الحكومة التي عيّن رئيس وزرائها، وهو المشرف على التفاوض مع المجتمع الدولي ومؤسساته، كما امتد حضوره إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الاهتمام بالمرافق الصحية والخدمية والكهرباء إلى تنظيم أوضاع “ستات الشاي” في الأسواق. فإذا كان قد تولى بالفعل كل هذه الملفات، من الحرب والسلام إلى الخدمات العامة فما الذي يمنعه من أن يتولى أمر الحوار الداخلي كمبادرة صادرة منه، بدلاً من أن يتركها رهناً لشخصيات وطنية، وهو الذي يعرف، أكثر من غيره، طبيعة الساحة السياسية التي ستدخل إليها مثل هذه المبادرات؟ فالأحزاب ضعيفة ومنقسمة، والحركات المسلحة متعددة، والقوى المدنية لا تملك تفويضاً عاماً ومع ذلك لا تريد تقديم تنازلات، ومتربصة ببعضها البعض والثقة بينها منعدمة. وفي واقع كهذا، مهما بلغت نزاهة “الشخصيات الوطنية” التي بادرت بمشروع الحوار، فإنها ستواجه منذ البداية بأسئلة التمثيل والتفويض والخلفيات السياسية، وسيصبح الجدل حولها هو الحوار. وسيفشل المشروع قبل أن يبدأ.

ولو عدنا إلى تاريخ السودان منذ الاستقلال، لوجدنا أننا من أكثر دول العالم التي أنتجت مبادرات للحوار والوفاق والمصالحة، ومع ذلك ظلت البلاد تنتقل من مصيبة إلى كارثة. والسبب، في جانب كبير منه، أن هذه المبادرات كانت تبدأ من القمة، كتسويات ومحاصصات فوقية بين النخب السياسية المختطفة للمجال السياسي، ثم تصل إلى المجتمع في صورة اتفاقات ووثائق جاهزة، لم يكن لأصحاب المصلحة الحقيقيين أي دور في صنعها. ولذلك ظلت مخرجات الحوارات السياسية بعيدة عن المجتمع ومشكلاته الفعلية، وظلت قطاعات واسعة من السودانيين خارج صناعة التفاهمات التي تحدد مستقبلهم. فإذا كان هذا النموذج قد فشل في معالجة أزمات الدولة قبل الحرب، فما الذي نتوقعه منه الآن، وقد وصلت آثار الحرب إلى القرى والمدن والأسر والقبائل والمناطق، وغيرت علاقة الناس ببعضهم وبالنخب وبالدولة ومؤسساتها؟ لذلك فإن الحوار الجاد الذي يستهدف معالجة أسباب الحرب وآثارها وخلق توافق وطني مستدام يحتاج هذه المرة إلى طريق مختلف، يبدأ من القاعدة إلى القمة، من المجتمع نفسه ومن أصحاب المصلحة الذين دفعوا فاتورة الحرب من دمائهم وممتلكاتهم.

من هنا، أرى أن على الفريق أول البرهان، بصفته رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، ويطرح مبادرة باسمه، تضع الإطار العام لرؤية الدولة للحرب والسلام، وللحوار المجتمعي، ولمستقبل العملية السياسية. وبما أن السودان يعمل أصلاً ضمن نظام فيدرالي من ثماني عشرة ولاية، فهذا يتيح مساراً عملياً لوصول المبادرة بشكل مباشر إلى المجتمع، حيث يمكن لمجلس السيادة والحكومة، عبر وزارة الحكم المحلي، مخاطبة ولاة الولايات ودعوتهم لعقد مؤتمرات تشاورية لأصحاب المصلحة في كل ولاية، تضم المزارعين، وأساتذة الجامعات، والمهنيين، والإدارات الأهلية، والشباب، والنساء، والطرق الصوفية، إلى جانب الفاعلين الحزبيين والحركات المسلحة، على أن تكون مشاركتهم بصفتهم أفراداً من المجتمع، لا بوصفهم ممثلين حصريين لأحزابهم وتنظيماتهم. تناقش هذه المؤتمرات أولاً قضايا كل ولاية واحتياجاتها، ثم تنتقل إلى القضايا الوطنية الكبرى، مثل شكل الحكم، والفترة الانتقالية، والحرب والسلام، والإعلام، والعلاقات الخارجية، وقانون الأحزاب وأوضاع الأحزاب القائمة ومدى استيفائها للشروط القانونية ومصادر تمويلها. وبعد ذلك ترفع كل ولاية مخرجاتها إلى هيئة مستقلة، تضم قضاة وأساتذة جامعات وخبراء في الفقه الدستوري والسياسي، ممن يُشهد لهم بالاستقلال الفكري والسياسي والنزاهة، لتجمع هذه الرؤى وتنظمها في إطار وطني واحد، ثم ترفعها إلى رئيس مجلس السيادة ليطرحها في حوار قومي شامل يدعو إليه ممثلي الولايات والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني والأهلي، ليتوافقوا على الحد الأدنى من القضايا التي يمكن أن تشكل أساساً للمرحلة المقبلة، ويتركوا ما يتعذر الاتفاق عليه للمؤسسات المنتخبة التي ستأتي بعد ذلك.

وما نقترحه هنا ليس اختراعاً جديداً في صناعة الاستقرار السياسي، بل هو مستفاد من تجارب دول مرت بظروف صعبة مشابهة، من الفلبين والبرتغال إلى بنين ونيجيريا وغانا ومصر وغيرها. اختلفت هذه التجارب واختلفت ظروفها، لكن القاسم المشترك بينها أن الدولة كانت حاضرة في تأسيس وإطلاق العملية، ثم دخلت القوى السياسية لاحقاً في صياغة التفاصيل. ومن مزايا هذا المسار أنه يمنح الحوار قوة مختلفة، لأن التفاهمات التي يشارك المجتمع في إنتاجها يصعب أن تحتكرها مجموعة سياسية واحدة، كما يصعب الطعن فيها باعتبارها اتفاقاً بين نخبة محدودة. وبطبيعة الحال، ليس بالضرورة أن يحسم الحوار الوطني كل الخلافات السياسية والدستورية دفعة واحدة، أو في جلسات محدودة؛ فالتوافق الوطني والبناء الدستوري عملية تراكمية تنضج بالممارسة والتحديات. وحتى الدستور الأمريكي لم يحسم أمره دفعة واحدة، وإنما وضعت مداولاته الأولى الإطار الأساسي للدولة، ثم بقي مفتوحاً للتعديل، وأضيف إليه حتى اليوم سبعة وعشرون تعديلاً على مدى مراحل مختلفة، والدساتير في دول أخرى كثيرة تتطور مع تغير المجتمع والحاجات السياسية. وهذه هي طبيعة بناء الاستقرار السياسي، تبدأ العملية بقرار من السلطة تفتح الطريق به أمام الحوار المجتمعي والنخبوي معاً، ثم تأتي تفاهمات أساسية، وتتطور مع الوقت عبر الممارسة والانتخابات والتشريعات والتعديلات حتى يصبح الاستقرار ثقافة مؤسسية راسخة ومنضبطة.

https://www.facebook.com/share/1HfVRvWVMZ