الخرطوم – أخبار السودان
تتجه الأنظار إلى الخطوات التي ستعقب تسليم المراجع العام لجمهورية السودان تقرير العام المالي المنتهي في ديسمبر 2025 إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، وسط ترقب لما ستسفر عنه نتائج مراجعة آلاف الوحدات الحكومية، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل التوصيات والملاحظات الواردة في التقرير إلى إجراءات عملية تعزز الرقابة وتحافظ على المال العام.
وتسلّم البرهان التقرير خلال لقائه بالقصر الجمهوري المراجع العام صلاح الدين محمد عثمان، الذي قدم تنويراً حول أعمال ديوان المراجعة القومي، والتي شملت نحو 2,150 وحدة، من بينها البنوك والولايات والمؤسسات الحكومية ونظم المعلومات.
وقال المراجع العام، في تصريح صحفي، إن رئيس مجلس السيادة وعد بإحالة التقرير إلى مجلس الوزراء، تمهيداً لإعداد مصفوفة تنفيذية لمعالجة الملاحظات والتوصيات الواردة فيه، مشيراً إلى أن زيادة أعداد المراجعين أسهمت في تعزيز قدرات الديوان وتمكينه من إنجاز مهامه ومراجعة التقارير المالية في وقت قياسي.
نظام «إيصالي» وتحسين تحصيل الإيرادات
وتناول اللقاء كذلك مستوى التقدم في تحصيل الإيرادات الحكومية عبر تطبيق نظام «إيصالي»، المستخدم في عدد من المؤسسات والوحدات الحكومية، والذي قال المراجع العام إنه أسهم في الحد من الاعتداء على المال العام.
ويكتسب التوسع في الأنظمة الإلكترونية للتحصيل أهمية متزايدة في ظل التحديات التي تواجه المالية العامة، إذ يمكن أن تسهم هذه الأنظمة في تقليل التعاملات النقدية المباشرة، وتعزيز الشفافية في عمليات التحصيل، وتحسين تتبع الإيرادات الحكومية، فضلاً عن الحد من فرص التلاعب والتجاوزات.
غير أن فاعلية هذه الأنظمة تظل مرتبطة بمدى شمول تطبيقها للمؤسسات الحكومية، وربطها بمنظومة رقابية متكاملة تضمن مطابقة الإيرادات المحصلة مع الحسابات المالية، وإخضاع الجهات المعنية للمراجعة الدورية.
الرقابة المالية في ظل الضغوط الاقتصادية
وتأتي مراجعة الحسابات الحكومية في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني تحديات كبيرة، انعكست على موارد الدولة وقدرتها على تمويل الخدمات الأساسية والإنفاق على القطاعات الحيوية، الأمر الذي يجعل إحكام الرقابة على المال العام وتحسين كفاءة استخدام الموارد من القضايا المرتبطة مباشرة بجهود التعافي الاقتصادي.
ويؤكد اقتصاديون على أهمية تقرير المراجع العام في ضبط الإنفاق الحكومي وترشيد الموارد ومحاربة الفساد.
َوَقال الاقتصادي الصديق عباس لـ” اخبار السودان “أن أهمية المراجعة العامة لاتقتصر على اكتشاف المخالفات أو رصد أوجه القصور، وإنما تمتد إلى تحسين إدارة الموارد المتاحة، وتقليل الهدر المالي، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وضمان توجيه الأموال إلى الأولويات الفعلية.
كما أن إحكام الرقابة على الإيرادات يمثل أحد المداخل المهمة لتعزيز قدرة الدولة على تعبئة مواردها الداخلية، وتقليل الفجوات بين الإيرادات المقدرة والمتحصلة، خصوصاً في ظل محدودية مصادر التمويل والضغوط المتزايدة على الموازنة العامة.
الجهاز المصرفي تحت المراجعة
ويبرز القطاع المصرفي ضمن الجهات التي شملتها عمليات المراجعة، في ظل الدور الذي تؤديه البنوك في تمويل النشاط الاقتصادي وإدارة المدخرات والمعاملات المالية.
ويرى المصرفي محمد عبد العزيز في حديثه لـ” اخبار السودان “أن مراجعة الحسابات المصرفية تكتسب أهمية كبيرة خاصة في المرحلة الحالية، بالنظر إلى التحديات التي تعرض لها الجهاز المصرفي خلال الحرب، والحاجة إلى تعزيز الحوكمة والرقابة الداخلية والالتزام بالمعايير المحاسبية، إلى جانب حماية أموال المودعين وترسيخ الثقة في المؤسسات المصرفية.
كما أن تحسين نظم الرقابة والمراجعة داخل البنوك من شأنه دعم سلامة العمليات المالية، والحد من المخاطر التشغيلية، وتعزيز قدرة المصارف على استعادة دورها في تمويل القطاعات الإنتاجية وتحريك النشاط الاقتصادي.
من التقارير إلى المحاسبة
ويرى مراقبون أن القيمة الحقيقية لتقرير المراجع العام لا تتوقف عند حجم الوحدات التي شملتها المراجعة أو سرعة إنجاز أعمال الديوان، وإنما ترتبط بمدى الاستجابة للملاحظات والتوصيات الواردة فيه، وتحويلها إلى قرارات وإجراءات قابلة للتنفيذ والمتابعة.
وتبرز في هذا السياق أهمية المصفوفة التنفيذية المرتقبة، باعتبارها آلية يمكن أن تحدد الجهات المسؤولة عن معالجة الملاحظات، والجداول الزمنية للتنفيذ، ومستوى الالتزام بالتوصيات، مع ضرورة إخضاع نتائج التنفيذ للمتابعة والمساءلة.
ويظل التحدي الأبرز أمام ديوان المراجعة القومي ومجلس الوزراء هو ضمان عدم تحول التقارير السنوية إلى إجراءات روتينية، بحيث لا تقتصر المعالجة على تسجيل المخالفات والملاحظات، وإنما تمتد إلى تصحيح الاختلالات ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات التي تثبتها عمليات المراجعة.
اختبار مؤسسي
وتعكس إحالة تقرير المراجع العام إلى مجلس الوزراء توجهاً نحو ربط نتائج المراجعة بالمعالجة التنفيذية داخل مؤسسات الدولة، غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بوجود آليات واضحة للمحاسبة، ومتابعة تنفيذ التوصيات، وتعزيز استقلالية وفاعلية أجهزة الرقابة.
وبينما شملت المراجعة نحو 2,150 وحدة حكومية ومصرفية، فإن الأنظار تتجه إلى ما ستكشف عنه التفاصيل الكاملة للتقرير، وطبيعة الملاحظات التي تضمنها، والإجراءات التي ستتخذها الحكومة لمعالجتها، باعتبار أن حماية المال العام تمثل أحد الشروط الأساسية لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة وتهيئة البيئة اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار.
