الخرطوم – 15 سبتمبر 2026م
انتقد رئيس الغرفة القومية للمستوردين، الصادق جلال الدين صالح، أداء اللجنة الاقتصادية برئاسة مجلس الوزراء، متهماً إياها بالانشغال بـ«شعارات زائفة» في وقت يواصل فيه الجنيه السوداني تراجعه الحاد أمام العملات الأجنبية.
وقال جلال الدين إن اللجنة تتحدث عن مكافحة التهريب، وضبط السجلات التجارية، وزيادة الإنتاج والإنتاجية، وإضافة قيمة للصادرات، واتباع نظام وطني لمراقبة الواردات والصادرات، إلى جانب التوسع الضريبي، بينما يواصل المضاربون تحدي قراراتها وإجراءاتها مع استمرار تراجع العملة المحلية.
وأوضح أن سعر الدرهم الإماراتي كان أقل من 1,600 جنيه عند انعقاد أول اجتماعات اللجنة الاقتصادية، لكنه تجاوز حالياً 2,080 جنيهاً.
وقال جلال الدين إن هذه القضايا «شعارات جوفاء» لا يمكن تحقيقها بقرار إداري، وإنما تحتاج إلى تخطيط علمي وعمل حكومي حقيقي يوفر الطاقة والكهرباء الرخيصة، والبنية التحتية المتكاملة، والنقل والتمويل، وسياسة جودة وطنية، وبيئة إنتاج مستقرة، إلى جانب حكومة لا تعاني من عجز مزمن في الموازنة يدفعها إلى زيادة الجمارك والضرائب والرسوم والجبايات.
واتهم الحكومة بالتركيز على معالجة نتائج الأزمة بدلاً من أسبابها، وقال إن سوء الأداء الاقتصادي يتحمل رئيس مجلس الوزراء مسؤوليته، مشيراً إلى أن الغرفة سبق أن قدمت له مذكرة حذرت فيها من أن حظر السلع لا يلغي الطلب عليها، وإنما ينقل تلبيته من السوق الرسمي إلى التهريب والسوق غير الرسمي، بما يؤدي إلى اتساع التهرب الضريبي وفقدان إيرادات الدولة.
وأضاف: «للأسف الأسواق الآن مليئة بالسلع المحظورة».
وأشار رئيس الغرفة إلى أن حظر السلع لا يعالج سعر الصرف، بل يؤدي، بحسب تقديره، إلى رفع الأسعار والتضخم وتقليص الإيرادات العامة وتوسيع عجز الموازنة، ومع تمويل العجز بالاستدانة من النظام المصرفي تتزايد الضغوط على الجنيه وتتسارع وتيرة تدهوره.
وقال إن الدولار كان يعادل نحو 4,100 جنيه عند صدور قرار حظر السلع، بينما بلغ حالياً 7,600 جنيه.
انتقادات لسياسة البيع المخفض
وانتقد جلال الدين اتجاه الحكومة إلى فتح مراكز للبيع المخفض، في أعقاب اجتماع رئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمناقشة الخطوة، متسائلاً عن جدوى خفض الأسعار بقرارات إدارية في ظل ارتفاع تكلفة السلع.
وقال: «متى نفهم أن خفض الأسعار لا يمكن أن يكون بقرار إداري أو من خلال مراكز للبيع المخفض، بينما ترتفع تكلفة السلع مع انهيار الجنيه وزيادة الدولار الجمركي والضرائب والرسوم الحكومية والتكاليف المصاحبة؟».
وأضاف: «عالجوا التكلفة أولاً وستنخفض الأسعار تلقائياً».
وشدد رئيس الغرفة القومية للمستوردين على أن حظر السلع المستوردة لا يمنح المنتج الوطني قدرة حقيقية على زيادة الإنتاجية أو خفض التكلفة أو تحسين التنافسية.
وقال: «حين تستخدم الحكومة الحظر بديلاً عن إصلاح بيئة الإنتاج، فإنها لا تحمي الإنتاج الوطني بل تعمق أزمته».
جدل حول نظام مراقبة الواردات
وكشف جلال الدين أن الغرفة سبق أن حذرت الحكومة ورئيس مجلس الوزراء كتابةً من مخاطر إسناد بيانات الاستيراد إلى جهة أجنبية، وقدمت مذكرة تفصيلية حول الآثار الاقتصادية والأمنية للنظام.
وتساءل عن دلالة توجه الحكومة حالياً نحو إنشاء نظام وطني لمراقبة الواردات والصادرات، قائلاً: «إذا كانت الحكومة قد اقتنعت اليوم بالحاجة إلى نظام وطني لمراقبة الواردات والصادرات، فهل يعني ذلك عملياً أنها اكتشفت سوء وخطورة تطبيق النظام عبر شركة أجنبية؟».
وأضاف: «إن كان الأمر كذلك، فلماذا لم تعلن صراحة إلغاء نظام الـACD؟».
«زيادة العرض بدلاً من تقليصه»
وجدد رئيس الغرفة التأكيد على أن معالجة سعر الصرف، من وجهة نظره، لا تتم بالشعارات أو القرارات الإدارية، وإنما بقدرة الحكومة على إدارة ومراقبة الطلب، ومنع المضاربة على النقد الأجنبي، وزيادة موارده وعرضه.
وقال إن قرارات الحكومة «أسهمت في تقليص العرض بدلاً من زيادته»، الأمر الذي أدى، بحسب قوله، إلى زيادة الضغوط على الجنيه السوداني.
وكشف جلال الدين عن اعتزام الغرفة التقدم بصورة عاجلة إلى رئيس مجلس السيادة بمذكرة مفصلة تتناول أزمة سعر الصرف وتقدم مقترحات عملية لمعالجتها.
تحذير من تكرار سيناريو 2018
وقال رئيس الغرفة إنهم سبق أن حذروا رئيس مجلس الوزراء من أن السياسات الاقتصادية الحالية تعيد إنتاج النهج الذي اتُّبع في عام 2018، والمتمثل في حظر السلع وزيادة الدولار الجمركي وتبني سياسات صرف قال إنها قادت آنذاك إلى أزمة معيشية خانقة، كان من أبرز مظاهرها انعدام الخبز، وأسهمت في اندلاع الاحتجاجات التي أطاحت بنظام الإنقاذ.
وأضاف أن المخاطر الحالية أكبر والظروف أشد قسوة، في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي والضغوط المعيشية غير المسبوقة، متسائلاً: «فإلى متى يستمر التعامل مع الأزمة بالسياسات ذاتها والنتائج ذاتها؟».
ودعا جلال الدين إلى تدخل فوري وتكوين فريق عمل من خارج اللجنة الاقتصادية، يعقد اجتماعاته على مدار الساعة لمراجعة القرارات التي وصفها بالخاطئة، محذراً من تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية يصعب احتواؤها.
