الادب السياسي وذاكرة الحرب المثقوبه. بركة ساكن يكتب بالدمع قصة الاشوس؛؛؛ هل يغطي الفريق مفضل عورات وجدب وزارة الثقافة؟

حديث السبت.
كتب/ يوسف عبدالمنان.
الادب السياسي وذاكرة الحرب المثقوبه.
بركة ساكن يكتب بالدمع قصة الاشوس؛؛؛
هل يغطي الفريق مفضل عورات وجدب وزارة الثقافة؟
1️⃣
● دخل اللواء أركان حرب وردان ود الفيل كقائد كبير في جيش مليشيا الدعم السريع، دخل مدينة ودمدني بعد أن فعل في الخرطوم الافاعيل، وقتل العوض ود العوض، وسعي لزواج زوجته!! والعوض جثته بالقرب من بيته تنهشها الكلاب السعرانة، وعند دخوله كان المساعد الطبي الطيب يشرف على إحدى المراكز الصحية، وقد فشل في الخروج من مدني حينما أصبح ثمن الخروج الي سنار باللوري يعادل مرتب ثلاثة أشهر، والمساعد الطبي قرر البقاء في مدني ومعالجة المرضى والجرحى والتعايش مرغماً مع المليشيا، وما يبغض الطيب الا كلمة جنجويد، وفي حيرته وهمه وغمه دخل عليه اللواء أركان حرب وردان ود الفيل، قائد اشاوس الدعم السريع، وقريب الاشوس الأكبر حميدتي، من حبوبته التي ماتت في كتم، وتولى غسل جثمانها الرجال كعادة أهل البادية تلك، ونزولاً لفتوي الفقيه القوني.
● هجم اللواء بعد أن نصب ارتكاز جوار المركز الصحي، وسأل اللواء وين الدكتور؟ فأجاب الطيب في الوحده دي فقط مساعد طبي.
ابتسم اللواء وردان وهو بطل المعركة، وهو يجول داخل الوحدة الصحية الصغيرة، ثم سأله، ولك كم سنه وانت شغال مساعد طبي؟
خمسة عشر عاماً!! صاح اللواء مندهشاً (خمستاشر سنه وماترقيت، هذا ظلم أنت منذ اليوم طبيب اختصاصي انا رقيتك، نحن جينا من أجل إنهاء المظالم، ومن اليوم مافي حاجة اسمها كلية حربية ولا كلية طب ولا هندسه.
● انا الاشوس وردان ود الفيل دا ماشفت الكلية الحربية بعيني دي، هزمت جيش قالو عمره مائة سنه، وضباط قضوا عمرهم كلو في الأمور الفارغة والما بتودي ولا بتجيب، وفي الدواس ولو البار، فزو واعتقلناهم زي الأرانب، الاشوس الاعظم حميدتي مادخل اي مدرسة وكان رئيس اللجنة الاقتصادية، على رأس علماء بتاعين مدارس، لو ما الفلول والكيزان انقلبوا على الثورة، كان الآن أصبح بروفيسور.
● بحمد الله الآن الاشاوس حرقوا كل الوسخ والمكتبات والجامعات والكلام الفارغ دا في الخرطوم، وفي نيالا والجنينه، والان مدني، وربنا ينصرنا على البقية في عطبره وبورتسودان، وكل مكان تبقى البلد نظيفة، من كل عفن دولة 56، كل الرتب والوظائف الآن بأيدينا نحن ناس الهامش، انت من اليوم أصبحت أخصائي وبعد الحرب يكون لك وضعك الخاص، مهمتك الآن تعالج الجرحى والمرضى من الاشاوس، هنا في ودمدني جمعنا كل الأطباء في المستشفى الان شغالين ومبسوطين كلهم رقيناهم الي أخصائيين، وعزيناهم برتب عسكرية شرفيه،
قال الطيب لكن انا فقط مساعد طبي.. اجابه اللواء الركن الموضوع دا منتهي ولا انت زول فلول فلنقاي وجلابي معاكس.؟
رد بسرعة:
لا والله انا موافق من اليوم ح اكون دكتور والتزم بعلاج الناس كلها هذا شرف كبير بالنسبه لي.
نعم خليك زول متعاون الناس في حالة حرب ونحن نضحي من أجل استعادة الديمقراطية من أجلكم، تعاون معنا يادكتور نحتاج لخبرتكم الكبيره. وين مفتاح العربية الشايفها عندكم مستوبتشي واقفه في الباب نحتاج ليها في نقل الاشاوس في المواقع الخارجيه؟
للأسف العربية متعطلة منذ اسبوعين.
جيب المفتاح نسحبها للتصليح.. خليك زول متعاون.
ثم سأله سؤال مفاجئ،
ليه انت ماهربت مع الناس المنطقة كلها فضت الا الحيونات والجداد ونفرين ثلاثة.
● انتهت الفقره أعلاه من رواية الاشوس الذي حلقت أحلامه مثل طائرة مسيرة.
2️⃣
هذه الروايه الرائعة السرد القصصي، الذي يجعل الدموع نتنساب من مقتيك، حتى ولو كنت موظفا في وزارة الماليه ومنحت مكافئة مثل التي حصل عليها موظفي الوزارة اخيرا لان الروائي الفذ عبدالعزيز بركة ساكن استطاع في زمن الصمت والبيع للكتاب، وبيع الأطباء وبيع الشعراء، وبيع السياسين في السودان، بواسطة تاجر لاينتمي لآل ابوالعلا ولا اولاد البرير ولا بطرس جرجس ولا الطيب النص، لكنه تاجر حمير شاطر جدا يبيع حبل الحمار والسرج واللجام قبل الحمار، بركة كان عصيا على الشراء، بل في لحظة تاريخية اختار ضميره وقيَّمه واخلاقه، ليقف مع ضحايا القتل الجماعي في الجنينه، والهلاليه، ويضحي بصداقات العمر الطويل، ورفاق النضال، ويصبح الساعد والسند لمن لاسند له، ويكتب هذه الروايه التي تقع في 314 صفحة من الحجم المتوسط، والورق زهيد الثمن غالي القيمة، وبوجع الحروف كتبه هذا الرجل، الذي يمثل لوحده سلاحاً عجزت حكومتنا عن استخدام هذه الرواية والتي نشرتها دار نشر لم تكتب اسمها وعنوانها لشى ما، وقد فقدت نسختي الأولى منذ عام تقريباً، ولكن الأخ المهندس علي دقاش المثقف العضوي كما يقول ادب اليسار، وهم يقسمون المثقفين الي عضوي وغير عضوي، ولكنها اي رواية الاشوس التي اقتطعنا منها فقط قصاصة صغيرة تحفل بأشياء واشياء، ويكتب بركة احياناً النص عارياً، ويلبسه احيانا ثياب الحزن، وهو يغوص عميقاً جداً في حرب الجنجويد، و شخوصها،
ويخرج لنا مما ينبت الادب هذا الكتاب، الذي لو كانت حكومتنا تقرأ لجعلت منه وثيقة تدين المليشيا وسط الغرب والشرق، ولفعلت الرواية مالم يفعله عشرات السفراء، والمبعوثين، ولكن نحن في زمن اقلع فيه حتى المثقف عن صحبة الكتاب، واتخذ الهاتف السيار خليلاً،
ورواية مثل الاشوس لو وجدت التوظيف الدرامي، لكان لها أثراً كبيراً، والمسرح لايزال سيد الفنون.
● انظر إلى الفصل الأول من الروايه ومقتل العوض ود العوض بفوهة بندقية اللواء أركان حرب وردان ود الفيل، الذي اقتحم المنزل وصوب مسدسه على رأس الضحيه حتى تطاير المخ، بعد أن سأله من أين لك بهذا البيت؟ انت فلول؟ فقال العوض لست فلولاً وابغض الفلول. قال له انت ضابط في الجيش؟ فقال انا مهندس ونظر وعبس وبسر وقتل العوض، ودخل بيته فاتحاً من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية!! وراود زوجته التي عادت لتوها مع العوض من الاغتراب وقال لها وردان زوجك السابق قتله الشفشافه والكسابه ونحن كاشاوس سنحارب الشفشافة، وسوف نلقى القبض على قاتل زوجك، ولكن انا اريدك لنفسي، فمكرت كإمرأة وفيةً لفقدها الكبير، وقررت الانتقام من قاتل العوض، ولكن اسرَّت ذلك في نفسها، واتخذ اللواء وردان من بيت الضحية مكتباً له..
● ذلك الفصل لا يقل قيمة من الفصل الذي تحدث فيه الراوي عن شخصية وردان، الذي كان يعمل سمساراً للسيارات في سوق نيالا، وعندما شاهد بأم عينه كيف بدلت حرب اليمن أسافل قومٍ الي علياء قومٍ !!. ولكنها أصابت بلادنا بلعنة، يدفع ثمنها الشعب السوداني الآن، قتل السودانيون أهل اليمن، أحفاد الصحابه والصالحين، من أجل المال، الذي اصابهم بلعنة. وللجنجويد مقولة: (تجندوا فقراء تغنيكم الحرب).
اللواء وردان زعم ان الاشوس الكبير ينتمي اليه رحماً زائفاً، وهذا الانتماء الزائف جعله منه قائداً كبيراً وهو من قتل عبدالله أبكر وجر جثمانه في التراب.
3️⃣
لو كانت وزارة الثقافة وزارة مبدعين، لجعلت من الكتاب مسرحيات أثرت وجدان شعبٍ مكلومٍ، ولكن وزارة الاعلام والثقافة لاتقرأ الا مايكتب في مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تهتدي لطباعة وترجمة هذه الرواية الخطيرة جداً. وقد حادثت الأخ الدكتور المبدع طارق البحر الذي في صومعته الرمضانيه يقرأ في سطور الرواية، فهل تستطيع وزارة الثقافة أداء واجبها أم يسعفها جهاز الأمن والمخابرات ويغطي عورتها؟ وقد ظل الجهاز بقيادة الفريق مفضل متقدماً على اجهزة الدولة، التي تغط في نومٍ عميقٍ، والجهاز يستطيع ترجمة الروايه للانجليزية والفرنسية، ولكنها بالطبع لن يستطيع توزيعها على معارض الكتاب في العالم، تلك مهمة وزارة تشارك في تلك المعارض بكتب بائسة، اغلبها صورا جامدة لمواقع اثريه تاريخية.
● الكاتب عبدالعزيز بركة، يمثل في تقديري الروائي الأول في السودان، متقدماً على الطيب صالح، وعلى آخرين من دون الطيب. وبركة كاتب عميق متفاعلاً مع قضايا المجتمع أينما قذفت به الاقدار، ولكن الطيب صالح لم يتجاوز أدبه ورواياته منحني النيل، وقرى ودحامد وتفاصيل حياة أهلها واحلامهم. ولا يُعاب الطيب صالح علي قصور حكايات قصصه علي بقعة صغيرة من السودان، لانه عاش معظم حياته في بلاد الافرنج، لكن بركة ساكن حينما كان في الجزيرة المرورية، كتب روايه امرأة من كمبو كديس، وهي أول روايه تغوص في عالم الكنابي، وانتقل بركة الي القضارف، وتحت فؤوس عمال المشاريع، واحلام مجتمع الكادحين، كتب رواية الجنقو، وهي الاشهر، ولكنه ليس الأعمق في تقدير البعض. إن رواية الرجل الخراب التي تغوص في عالم الهجرة والمهاجرين الي أوروبا تستحق أن تنال جائزة نوبل للاداب، ومعلوم أن الرواية إدانة للمجتمع الغربي، لذا كافأ كاتب مغمور من موزمبيق بجائزة لا يستحقها. وعندما انتقل بركة ساكن الي الشماليه كتب روايه منفستو الديك النوبي، التي تبحث في العلاقة بين الجن والذهب، والان كتب رواية الاشوس، التي لم يقرأها الف سوداني حتي الآن !! لأن بركة ساكن روائي يكتب وحده، ويطبع من فقر ماله، وينشر، ولا مؤسسة تسنده، ويكفيه أنه أكتسب سمعةً طيبةً، ونال تقدير من يحبونه.
✒️ يوسف عبدالمنان.
14 مارس 2026م