الخطاب الغربي والأممي حول ما يجري في السودان : هندسة التدويل

الخطاب الغربي والأممي حول ما يجري في السودان : هندسة التدويل

الصادق محمد احمد

تحت غطاء الحرص الإنساني المصطنع والتحذيرات بـالمخاطر الوشيكة)، يندفع الغرب الذي تقوده بريطانيا وحلفاؤها في الفضاء الأممي نحو صناعة سردية مضللة ومجافية لواقع الحقائق على الأرض في مدينة الأبيض بخطاب دبلوماسي يصاحبه إصرار متزايد من قِبل ما يسمى بـ (المجموعة الأساسية للسودان) على إسقاط نموذج الحصار والفظائع قسرياً على عاصمة شمال كردفان، ومقارنتها بما جرى سابقاً في الفاشر. هذا التوجه لا يمكن تفسيره كقراءة موضوعية للأوضاع، بل هو هندسة سياسية واعية تهدف إلى تسييس الملف الإنساني وتحويله إلى منصة قفز لتمرير أجندة التدويل والتدخل الخارجي.

إن التدقيق في الواقع العسكري والميداني يكشف عن عدم دقة هذه (البروباغندا) التي يسعى الغرب جاهداً لتسويقها ، فالجيش السوداني يحرز تقدماً هجومياً كبيراً ومستمراً في المنطقة، ويبسط سيطرته على المفاصل الحيوية للإقليم، وتنتشر قواته انتشاراً مقدراً في كردفان، ومؤخراً أحرزت تقدماً كبيراً في غرب دارفور في تحرك يهدف إلى تطويق قوات الميليشيات في دارفور وتخوم كردفان ، وفي مقابل هذا الاستقرار النسبي الذي تصنعه القوات المسلحة، تشن ميليشيا الدعم السريع هجمات عشوائية وغارات بالطائرات المسيّرة تستهدف المدنيين العزل والبنية التحتية من محطات كهرباء ووقود في مدينة الأبيض، وذلك بهدف إحداث حالة من الذعر وعدم الاستقرار في أوساط المواطنين، وهي الجرائم الحقيقية التي كان الأولى بالمنظومة الدولية والأممية إدانتها بصرامة وتصنيفها كأعمال إرهابية، بدلاً من صياغة بيانات ملتوية تفرض مساواة ظالمة وفجة بين جيش وطني يدافع عن سيادة بلاده، وبين مجموعات متمردة تقصف المواطنين والأعيان المدنية دون أدنى مراعاة للقانون الدولي والإنساني.

إن هذا التوجه الغربي لترويع المدنيين عبر تضخيم سرديات الحصار وإعادة إنتاج الميليشيا كقوة مهيمنة في التقارير الدولية، لا يخدم الخيار الإنساني في شيء، بل يمثل دعوة مبطنة وتمهيداً دبلوماسياً لاستصدار قرارات أممية مجحفة تتجاوز سيادة الدولة السودانية – كفرض مناطق حظر طيران أو آليات مراقبة دولية- وهي أوراق طالما أُستُخدمت تاريخياً لتكبيل الجيوش النظامية ومنح الكيانات المتمردة أطواق نجاة سياسية ونفسية بعد هزيمتها ميدانياً، كما إن هذا السلوك كذلك يبعث برسائل طمأنة غير مباشرة للميليشيات بأن حبل آليات الضغط الدولي سوف يُمد لصالحها كلما ضاق عليها خناق الهزيمة العسكرية.

إن الطريق الحقيقي لمنع الفظائع وحماية النسيج المجتمعي في الأبيض وفي كل شبر من السودان، لا يمر عبر محاولات تدويل الأزمة، و ممارسة الضغط على الجيش السوداني و قيادته ، بل يتم عبر تقديم الدعم اللوجستي المباشر للحكومة السودانية الشرعية ومؤسساتها، و تقديم الدعم للمنظمات المحلية التي تعمل على الأرض في ظل ظروف صعبة وقاسية. إن بسط سلطة الدولة وسيادة القانون وحسم التمرد هي وحدها الكفيلة بإنهاء معاناة المدنيين و ضمان سلامتهم و أمنهم، وعلى عواصم الغرب- إذا كانت حريصة على المدنيين كما تدعي- أن تدرك أن صناعة الإستقرار الحقيقي في السودان يتم عن طريق دعم الحكومة الشرعية ومساعدتها على إنهاء التمرد وبسط سيطرتها على جميع أنحاء البلاد، وإسناد منظمات المجتمع المدني، واحترام إرادة الشعب وعدم التدخل في شؤونه.