وطن و مؤسسات….
السودان أولاً وأخيراً….
د. عبدالعزيز الزبير باشا…
13/03/2026
في اللحظات المصيرية التي تمر بها الدول، تظهر الفوارق الحقيقية بين من يفهم طبيعة الدولة ومن يتعامل معها كمنصة خطاب سياسي. السودان اليوم يمر بمرحلة استثنائية؛ حربٌ لم تنتهِ بعد، مؤسسات تُعاد تفعيلها، واقتصاد يحاول الوقوف على قدميه. في مثل هذه اللحظات، يُفترض بالقوى السياسية أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية، لا أن تتعامل مع الدولة بعقلية المناورة الحزبية أو الطموح السياسي المبكر.
اللقاء الذي جمع قيادة الدولة، ممثلة في فخامة الرئيس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وأعضاء مجلس السيادة، مع وفد تحالف ما يسمى بـ“قوى الثورة للقضايا الوطنية”، كشف أكثر مما حاول أن يخفي. فالقضية هنا ليست في مبدأ الحوار، فالحوار بين الدولة والقوى السياسية أمر طبيعي بل مطلوب. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي قدم بها هذا التحالف نفسه، والرسائل السياسية التي حاول تمريرها تحت غطاء الحوار الوطني.
غياب الوزن الحقيقي
أول ما يلفت النظر أن هذا التحالف يفتقر إلى ما يمكن تسميته بالتمثيل الحقيقي على الأرض. لا قواعد شعبية واسعة، ولا امتداد اجتماعي ملموس، ولا حضور ميداني يُذكر في مجتمع أنهكته الحرب ويبحث عن قوى سياسية تتحمل مسؤولية تاريخية. ومع ذلك، يقدم نفسه وكأنه أحد أعمدة المعادلة السياسية في البلاد.
السياسة ليست بيانات ولا مؤتمرات صحفية؛ السياسة وزن اجتماعي، وتاريخ من العمل العام، وقدرة على التعبئة والتأثير. وعندما تحاول كيانات بلا قاعدة حقيقية أن تضع نفسها في موقع يوازي الدولة أو يفاوضها كطرف مكافئ، فإن الأمر لا يبدو حواراً وطنياً بقدر ما يبدو محاولة لاقتناص موقع سياسي لم تمنحه صناديق الاقتراع ولا منحته التضحيات على الأرض.
خلل في فهم الدولة
الرسالة الأخطر في خطاب هذا التحالف هي محاولته تقديم القوات المسلحة وكأنها “طرف” سياسي يجلس إلى طاولة تفاوض مع القوى الحزبية. هذا الطرح يكشف خللاً عميقاً في فهم طبيعة الدولة.
القوات المسلحة السودانية ليست حزباً سياسياً، ولا جماعة ضغط، ولا فصيلاً ضمن معادلة التوازنات الحزبية. إنها المؤسسة الوطنية التي تحمل عبء حماية الدولة في لحظة حرب وجودية. وعندما تُختزل هذه المؤسسة في خانة “شريك سياسي” مع تحالفات حزبية صغيرة، فإن ذلك لا يُعد قراءة سياسية بقدر ما هو محاولة متعمدة لإعادة صياغة المشهد بما يخدم أجندة سياسية ضيقة.
الدولة السودانية، بمؤسساتها السيادية والتنفيذية، ليست طرفاً في نزاع حزبي؛ هي الإطار الذي يحتضن الجميع. ومن لا يفهم هذه الحقيقة الأساسية، يصعب عليه أن يقدم مشروعاً وطنياً جاداً.
بروتوكول الدولة ليس تفصيلاً
حتى في التفاصيل الصغيرة، ظهرت إشارات مقلقة. فعدم مخاطبة قيادة الدولة بألقابها الرسمية في لقاء رسمي لا يمكن تفسيره باعتباره زلة لسان أو تفصيلاً بروتوكولياً عابراً. في الأعراف السياسية، البروتوكول ليس مجاملة شخصية بل اعتراف بمقام الدولة ومؤسساتها.
عندما يتجاهل طرف سياسي هذه القواعد، فإنه يبعث برسالة ضمنية مفادها أنه لا يعترف بمرجعية الدولة إلا بقدر ما تخدم موقعه السياسي. وهذه ليست بداية حوار وطني صحي، بل بداية جدل عقيم حول الشرعية والمكانة.
القفز إلى ما بعد الحرب
الأكثر إثارة للتساؤل أن المذكرة التي قدمها التحالف امتلأت بموضوعات كبيرة: التحول المدني الديمقراطي، العدالة الانتقالية، إعادة صياغة العلاقة بين المدنيين والعسكريين، والتطوير العسكري. هذه كلها قضايا مشروعة في سياق بناء الدولة، لكنها تطرح عادة بعد أن تنتهي الحروب، لا في خضمها.
القفز إلى هذه الملفات الآن يوحي بأن بعض القوى السياسية تسعى إلى فتح معركة السلطة قبل أن تنتهي معركة الدولة. وكأن الأولوية ليست إنهاء الحرب وتثبيت المؤسسات، بل حجز مقعد في ترتيبات ما بعد الحرب.
هذا النوع من السياسة قد يبدو ذكياً في الحسابات الحزبية الضيقة، لكنه في الحقيقة يعكس عجزاً عن قراءة اللحظة الوطنية.
ما وراء الخطاب
حين تُجمع هذه المؤشرات معاً—ضعف التمثيل، الخلل المفاهيمي في تعريف الدولة، التجاوز البروتوكولي، والقفز إلى ملفات ما بعد الحرب—يتضح أن الهدف الحقيقي ليس الحوار بقدر ما هو محاولة إعادة التموضع السياسي.
بعبارة أخرى، هناك من يحاول استخدام شعار الحوار الوطني كمدخل للعودة إلى المشهد السياسي من بوابة السلطة، لا من بوابة المسؤولية الوطنية.
الدولة أولاً
السودان اليوم لا يحتاج إلى تضخم في التحالفات السياسية بقدر ما يحتاج إلى وضوح في الأولويات. الأولوية ليست في إعادة توزيع السلطة، بل في إعادة تثبيت الدولة وتفعيل مؤسساتها.
وعندما تستقر الأرض وتُستعاد هيبة القانون وتعمل مؤسسات الدولة بكامل طاقتها، عندها فقط يصبح الحديث عن ترتيبات سياسية واسعة أمراً طبيعياً ومطلوباً.
أما محاولة فرض هذه الترتيبات قبل أوانها، فهي لا تخدم الديمقراطية كما يزعم أصحابها، بل قد تعرقل الطريق إليها.
ختاماً
الحوار الوطني الحقيقي لا يبدأ من طموحات الأحزاب الصغيرة، بل من الاعتراف بحقائق الدولة وموازين القوى. ومن يريد أن يكون جزءاً من مستقبل السودان عليه أن يبدأ أولاً بالاعتراف بأن الدولة ليست منصة تفاوض، بل الإطار الذي يحمي الجميع.
أما القفز فوق هذه الحقيقة، فلن يقود إلا إلى مزيد من الضجيج السياسي في وقت يحتاج فيه السودان إلى أقل قدر من الضجيج وأكثر قدر من المسؤولية….
وطن و مؤسسات….
السودان أولاً وأخيراً….
د. عبدالعزيز الزبير باشا…
13/03/2026
