المنطقة على حافة الهاوية:وساطات باكستان وقطر تصارع اندفاعة الحرب بين واشنطن وطهران!؟

المنطقة على حافة الهاوية:
وساطات باكستان وقطر تصارع اندفاعة الحرب بين واشنطن وطهران!؟
السفير.د.معاوية البخاري

بينما تتكثف التحركات الدبلوماسية في الإقليم عبر المسارين الباكستاني والقطري ـ التركي، تبدو المنطقة أقرب إلى لحظة اشتباك استراتيجي مفتوح منها إلى تسوية نهائية.
فالسردية العسكرية تتصاعد بوتيرة أسرع من جهود الوساطة، واللغة السياسية لدى مختلف الأطراف باتت تحمل مؤشرات “إدارة حرب” أكثر من كونها إدارة أزمة قابلة للاحتواء.
زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران ولقاءاته مع القيادة العسكرية الإيرانية، بالتزامن مع تحركات قائد الجيش الباكستاني، ليست مجرد تحرك بروتوكولي، بل امتداد لدور إسلام آباد كوسيط رئيسي بين واشنطن وطهران في الأسابيع الأخيرة. كما أن دخول قطر بقوة عبر رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وبدعم خليجي وتركي، يعكس حجم القلق الإقليمي من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، والاصطفاف الإسنادي للوساطة لمنع الحرب.

باكستان تتحرك لمنع انهيار التوازن الإقليمي

تدرك باكستان أن أي انفجار واسع بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية.
فالانعكاسات الأمنية والاقتصادية والمذهبية عالمية الكلفة وستطال جنوب آسيا والخليج معًا، وستهدد خطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية الحيوية، واوربا لم تعد تحتمل الكلفة .
لذلك حاولت إسلام آباد خلال الأشهر الماضية بناء مسار تفاوضي متدرج يقوم على:
• وقف إطلاق النار،
• إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز،
• ثم الانتقال لاحقًا إلى الملفات السياسية والأمنية الأكثر تعقيدًا.
لكن المعضلة الأساسية أن الميدان يتحرك أسرع من الدبلوماسية، فيما تتزايد الضغوط الإسرائيلية على واشنطن لرفع سقف المواجهة مع إيران.

قطر وتركيا… دبلوماسية منع الانفجار
التحرك القطري لا يبدو منفصلًا عن رؤية خليجية أوسع تخشى انهيار البيئة الأمنية والاقتصادية للمنطقة.
فدول الخليج باتت تنظر إلى الحرب باعتبارها تهديدًا مباشرًا للبنية النفطية والغازية، ولحركة الملاحة الدولية، وللاستقرار الاقتصادي العالمي.
وقد دفعت هذه المخاوف قطر إلى العودة بقوة إلى خط الوساطة رغم تعرضها سابقًا لهجمات إيرانية خلال التصعيد الأخير، وهو ما يكشف حجم الإدراك الخليجي بأن البديل عن الوساطة قد يكون انفجارًا إقليميًا طويلًا ومكلفًا.
أما تركيا فتسعى إلى تثبيت نفسها كفاعل إقليمي مركزي في أي ترتيبات قادمة، خصوصًا مع إدراكها أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط ستنعكس مباشرة على نفوذها وموقعها الجيوسياسي.

اختفاء الملف النووي… وتحول طبيعة الصراع

التحول الأهم في الأزمة الحالية يتمثل في تراجع الحديث عن المشروع النووي الإيراني واليورانيوم المخصب، أو برنامج الصواريخ الباليستية، رغم أنهما كانا لسنوات محور الصراع الأساسي.
في السابق، كانت الأزمة تدور حول:
• نسب تخصيب اليورانيوم،
• أجهزة الطرد المركزي،
• الرقابة الدولية،
• ومدى الصواريخ الإيرانية.
أما اليوم، فقد انتقل مركز الأزمة من “منع تهديد مستقبلي” إلى “إدارة اشتباك جيوسياسي مباشر”.
المواجهة الحالية باتت تدور حول:
• شكل النظام الإقليمي الجديد،
• السيطرة على الممرات البحرية،
• توازنات الردع،
• ومن يمتلك القدرة على فرض قواعد الأمن في الخليج والشرق الأوسط.
ولهذا لم يعد الملف النووي هو العنوان الحقيقي للصراع، بل أصبح جزءًا من معركة أوسع تتعلق بالنفوذ والسيادة وإعادة هندسة المنطقة.

مضيق هرمز… قلب المعركة الحقيقي
يبدو أن جوهر الأزمة الحالية يتمحور حول مضيق هرمز أكثر من أي ملف آخر.

فواشنطن تنظر إلى المضيق باعتباره شريان الطاقة العالمي، وأداة استراتيجية للتحكم بالاقتصاد الدولي، ومعه حزمة شروطها كاملة، بينما تعتبره طهران ورقة سيادية وردعية لا يمكن التخلي عنها أو إخضاعها للهيمنة الأمريكية.
التقارير الأخيرة تحدثت عن مقترحات لإعادة تنظيم الملاحة في المضيق، وإنشاء ترتيبات أمنية جديدة، وهو ما ترفضه إيران باعتباره مساسًا مباشرًا بسيادتها الإقليمية.
كما أن استهداف منشآت الطاقة والغاز خلال الأسابيع الماضية رفع مستوى القلق العالمي، خصوصًا بعد الهجمات التي طالت حقل جنوب فارس وما تبعها من اضطرابات بأسواق الطاقة العالمية.

إسرائيل تدفع نحو الحسم… وواشنطن تحسب الكلفة
تبدو إسرائيل أكثر الأطراف اندفاعًا نحو توسيع المواجهة، انطلاقًا من قناعة بأن اللحظة الحالية قد تكون فرصة تاريخية لإضعاف إيران استراتيجيًا ومنعها من تثبيت معادلات ردع جديدة.
لكن داخل واشنطن تبدو الحسابات أكثر تعقيدًا.
الإدارة الأمريكية تدرك أن:
• أي حرب شاملة قد تتحول إلى استنزاف طويل،
• إغلاق هرمز سيصيب الاقتصاد العالمي بارتباك خطير،
• والانخراط العسكري الواسع قد يخلق موجة فوضى تمتد من الخليج حتى شرق المتوسط.
لذلك يظهر التناقض الأمريكي واضحًا بين:
• العقوبات الاقتصادية والتصعيد العسكري وطرح “خيارات العمليات”،
• وبين فتح المجال أمام الوسطاء الإقليميين لاستمرار التفاوض.
إلى أين تمضي المنطقة؟
المشهد الحالي صعب ومثير للقلق ، و لا يشير إلى سلام قريب، لا سلام يبدو ولا حرية للشعوب، كما كانت الشعارات ، لكنه أيضًا لا يؤكد حتمية الحرب الشاملة.
السيناريو الأقرب يتمثل في:
• استمرار الضربات المحدودة والمتبادلة،
• توسيع ساحات الاشتباك غير المباشر،
• تصاعد الضغوط الاقتصادية والأمنية،
• واستمرار الوساطات لمنع الانهيار الكامل دون الوصول إلى تسوية نهائية.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في القرارات السياسية، بل في احتمالات الخطأ العسكري وسوء التقدير.
فالمنطقة باتت تعيش فعليًا مرحلة “إدارة حافة الهاوية”، حيث يمكن لأي ضربة خاطئة أو حسابات ميدانية بتقديرات غير منضبطة أن تدفع الشرق الأوسط إلى مواجهة أوسع تتجاوز حسابات جميع الأطراف، لذلك تصاعدت جهود تعزيز جهود الوساطة الباكستانية التي يراها البعض بأنها وصلت الي شوطها الأخير وهي بحاجة الي قوة دفع إضافي.
—————
٢٣ مايو ٢٠٢٦ م .”