الشرق الأوسط على حافة الهاوية:الدبلوماسية الصامتة وإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي!؟


السفير.د.معاوية البخاري

في الأزمات الكبرى، لا تكمن أهمية الأحداث في ظاهرها بقدر ما تكمن في توقيتها وترابطها. فغالباً ما تتحرك القرارات المصيرية بعيداً عن عدسات الإعلام، بينما تستأثر وقائع أخرى بالاهتمام العام. ومن هنا، فإن قراءة المشهد الراهن في الشرق الأوسط لا ينبغي أن تقتصر على متابعة الضربات العسكرية أو التصريحات والسجالات السياسية، وإنما يجب أن تنطلق من سؤال أكثر عمقاً: هل ما يجري هو مجرد تصعيد عسكري، أم أننا أمام عملية إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية والنظام الدولي؟
لقد أثار تزامن جنازة أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي مع اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قراءات متعددة، خاصة مع محدودية التغطية الإعلامية لما دار في اللقاء. ولا يمكن الجزم بأن ذلك كان نتيجة ترتيب مقصود أو مجرد تزامن فرضته الظروف، غير أن الثابت هو أن الدبلوماسية في أوقات الأزمات كثيراً ما تعمل بصمت، وأن أكثر القرارات تأثيراً لا تُعلن دائماً على المنصات الإعلامية.
إن ما تشهده المنطقة اليوم لم يعد حرباً تقليدية بين جيوش ودول، بل أصبح مواجهة مركبة تتقاطع فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد العالمي، والدبلوماسية مع الردع، والإعلام مع الحرب النفسية، والممرات البحرية مع أمن الطاقة. ولذلك فإن فهم هذا الصراع يقتضي النظر إليه باعتباره صراعاً على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية أكثر من كونه سباقاً لتحقيق انتصار عسكري مباشر.
لقد تحولت الحرب الحديثة من حرب على الأرض إلى حرب على الإرادة. وهذه الفكرة التي صاغها المفكر العسكري البروسي Carl von Clausewitz حين اعتبر الحرب امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، أصبحت اليوم أكثر اتساعاً، إذ باتت الحرب امتداداً للسياسة والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا في آن واحد. فلم يعد الهدف تدمير الخصم عسكرياً فحسب، بل التأثير في قراراته، وإعادة صياغة حساباته، وفرض بيئة سياسية جديدة يتحرك داخلها.
وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة معنية بإدارة الأزمة أكثر من السعي إلى حسمها. فهي مطالبة بالحفاظ على أمن حليفها الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تجنب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تربك الاقتصاد العالمي، وترفع أسعار الطاقة، وتستنزف مواردها في وقت تواجه فيه تحديات استراتيجية متزامنة في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن ثم، فإن القوة العسكرية بالنسبة لواشنطن ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتعزيز الموقع التفاوضي وإعادة ضبط موازين الردع.
أما إسرائيل، فتنظر إلى التطورات من منظور مختلف، إذ تعتبر أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تمر بلحظة قد تتيح إعادة رسم قواعد الردع الإقليمي وتقليص مصادر التهديد التي تواجهها. غير أن هذا التصور يظل مرتبطاً بالسقف الذي تضعه واشنطن، باعتبارها الطرف الأكثر حرصاً على منع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب التحكم في تداعياتها.
في المقابل، تتحرك إيران وفق استراتيجية تقوم على رفع كلفة المواجهة. فهي تدرك أن قوتها لا تقتصر على قدراتها العسكرية، بل تشمل موقعها الجيوسياسي وشبكة علاقاتها الإقليمية وتحالفاتها ، وعلى رأس ذلك مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. ومن هنا جاء رفضها لأي ترتيبات يمكن أن تمس وضع المضيق أو تعيد صياغة قواعد السيطرة عليه، باعتباره أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي لديها.
لكن إيران تدرك كذلك أن استخدام هذه الورقة إلى أقصى مداها قد يرتد عليها قبل غيرها. فأي تعطيل واسع للملاحة في مضيق هرمز لن يقتصر أثره على الولايات المتحدة أو أوروبا، بل سيصيب اقتصادات الخليج مباشرة، ويرفع أسعار النفط والغاز، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، ويضغط على سلاسل الإمداد العالمية، بما قد يدفع الاقتصاد الدولي إلى موجة جديدة من التضخم والتباطؤ. ولهذا يبدو أن التهديد بالإغلاق أكثر فاعلية من الإغلاق نفسه، لأنه يحقق أثراً رادعاً دون تحمل الكلفة الكاملة.
ومن هنا تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية. فهي ليست طرفاً مباشراً في الصراع، لكنها ستكون الأكثر تأثراً بأي اضطراب طويل في أمن الملاحة. ولذلك تكثف عواصم الخليج اتصالاتها مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، سعياً إلى حماية أمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية، باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.
وفي الوقت ذاته، تواصل طهران حراكاً دبلوماسياً مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، في مؤشر واضح على أن المعركة لا تُخاض في الميدان وحده، وإنما كذلك على طاولات التفاوض. فكل جولة اتصال، وكل وساطة، وكل رسالة غير معلنة، تعكس إدراكاً بأن موازين القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنتاج تسوية مستدامة، وأن السياسة تظل الإطار النهائي الذي تُترجم فيه نتائج الميدان.
ولا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن التحول الأوسع الذي يشهده النظام الدولي. فالولايات المتحدة لم تعد تتحرك في البيئة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، حيث كانت تتمتع بهامش واسع من التفرد في إدارة الأزمات الدولية. أما اليوم، فإن صعود الصين الاقتصادي، واستمرار الحضور الروسي في ملفات الأمن الدولي، واتساع أدوار القوى الإقليمية، كلها عوامل دفعت العالم نحو مرحلة تتسم بتعدد مراكز التأثير، حتى وإن بقيت واشنطن اللاعب الأكثر نفوذاً.
وفي هذا الإطار، تنظر الصين إلى استقرار الشرق الأوسط من زاوية أمن الطاقة وسلامة التجارة العالمية، ولذلك تفضل أدوات الوساطة والاستثمار على الانخراط العسكري. أما روسيا، فترى أن استمرار انشغال الولايات المتحدة بأزمات الشرق الأوسط يمنحها هامشاً أوسع للتحرك في ساحات أخرى، ويخفف من الضغوط الواقعة عليها. كما أن تنامي دور تجمعات مثل بريكس يعكس اتجاهاً نحو تعددية أكبر في موازين القوة الاقتصادية والسياسية، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية النفوذ الأمريكي.
وهكذا، فإن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع إقليمي، بل أصبح أحد أهم ميادين اختبار شكل النظام الدولي المقبل. فما يجري في المنطقة سيؤثر في مستقبل أمن الطاقة، وحرية الملاحة، والتحالفات العسكرية، وتوازنات الاقتصاد العالمي، بقدر ما سيؤثر في الخرائط السياسية للإقليم نفسه.
لقد وصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق John Foster Dulles سياسة حافة الهاوية (Brinkmanship) بأنها القدرة على دفع الخصم إلى أقصى درجات الضغط دون تجاوز النقطة التي يتحول عندها التصعيد إلى حرب شاملة. ويبدو أن هذا المفهوم يفسر جانباً مهماً من المشهد الحالي؛ فكل الأطراف ترفع مستوى الردع، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يجعل الجميع خاسرين.
غير أن التاريخ يعلمنا أن أخطر الحروب لم تبدأ دائماً بقرار استراتيجي مدروس، بل كثيراً ما اندلعت بسبب سوء تقدير، أو قراءة خاطئة لنوايا الخصم، أو اعتقاد كل طرف أن الآخر سيتراجع في اللحظة الأخيرة. وهذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجه الشرق الأوسط اليوم.
إن المنطقة لا تقف على أعتاب سلام دائم، لكنها ليست أيضاً على يقين من اندلاع حرب شاملة. إنها تعيش مرحلة انتقالية تُدار فيها الأزمات عبر مزيج من الردع والدبلوماسية، ومن الضغوط العسكرية والمساومات السياسية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس نجاح الدول بعدد الصواريخ التي تطلقها، بل بقدرتها على إدارة الأزمات ومنعها من الخروج عن السيطرة.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل نحن أمام أزمة عابرة، أم أمام اللحظة التي يعاد فيها رسم توازنات الشرق الأوسط وقواعد النظام الدولي معاً؟
إن الإجابة لن تحددها نتائج العمليات العسكرية وحدها، وإنما ستحددها أيضاً مخرجات الدبلوماسية الصامتة التي تجري خلف الأبواب المغلقة. فالتاريخ يعلمنا أن الخرائط الجديدة لا تُرسم دائماً في ميادين القتال، بل كثيراً ما تبدأ من غرف التفاوض، حيث تتحول موازين القوة إلى ترتيبات سياسية تعيد تعريف النفوذ، وتؤسس لمرحلة دولية جديدة قد تمتد آثارها لعقود قادمة.
—————
٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م