بقلم: السفير د. معاوية البخاري
لم يكن دخول الدبلوماسية الإماراتية لانا زكي نسيبة سباق الترشح لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة حدثاً عادياً في مسار اختيار المسؤول الأول عن المنظمة الدولية. فقد جاء ترشيحها في لحظة يتسم فيها السباق بالجمود، وتتقاطع حوله اعتبارات التوازن الإقليمي، وتطلعات تمثيل المرأة، وحسابات القوى الكبرى، وأزمة الثقة المتصاعدة في قدرة الأمم المتحدة على صيانة مبادئها وفرض احترام القانون الدولي.
لكن ما منح هذا الترشيح أبعاده الأكثر حساسية هو أنه أعاد إلى واجهة النقاش الدولي ملف الحرب في السودان بثقلها وتبعاتها، وما يحيط به من اتهامات بتدخلات خارجية، ودعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع المتمردة ، وما ارتبط بذلك من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وصولاً إلى الفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر في أكتوبر 2025 ومن قبلها الجنينة والعديد من مدن وأرياف السودان التي تأثرت بالحرب .
وهكذا لم يعد السؤال المطروح في أروقة الأمم المتحدة متعلقاً بخبرة المرشحة الدبلوماسية أو قدرتها على إدارة العلاقات الدولية فحسب، وإنما امتد إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يمكن لشخصية كانت في صدارة الدفاع الدبلوماسي عن سياسات حكومتها في نزاع دولي بالغ التعقيد، بررت لكل هذا المآسي والسرديات الكذوبة التي تسوقها بلادها، أن تتولى لاحقاً قيادة منظمة يفترض فيها النزاهة والاستقلال والحياد والمساءلة؟
أولاً: من الترشيح الدبلوماسي إلى المواجهة الحقوقية والإعلامية
منذ إعلان الإمارات ترشيح لانا نسيبة في 21 أكتوبر 2026، بدأت تتشكل موجة من التحفظات والانتقادات لم تقتصر على الأوساط السودانية أو خصوم السياسة الإماراتية، بل امتدت إلى صحف غربية كبرى، ومنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان، وشخصيات ذات وزن في منظومة العدالة الدولية والعمل الحقوقي.
وقد برزت صحيفة الغارديان البريطانية في مقدمة التغطيات النقدية؛ إذ نشرت في 25 أكتوبر تقريراً تناول خلفيات المرشحة، وما يواجهها من اعتراضات بشأن سجل الإمارات في السودان، ثم نشرت في 26 أكتوبر مقالاً للكاتبة نسرين مالك ربط بين ترشيح نسيبة وأزمة المساءلة عن الحرب السودانية، معتبراً أن القضية تتجاوز الشخص إلى دلالات منح موقع دولي رفيع لشخصية ارتبط اسمها بالدفاع عن سياسة حكومتها في هذا الملف وهي ضالعة بشواهد لا يمكن إنكارها.
أما وكالة أسوشيتد برس، فقد وضعت في تقريرها المنشور في 23 أكتوبر، والمحدّث في 29 أكتوبر، ملف الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في صدارة التحديات التي ستواجه المرشحة، وأشارت إلى أن الاتهامات لا تستند إلى الخطاب السياسي السوداني وحده، بل إلى تقارير أممية وأبحاث ميدانية وشهادات خبراء ومراكز بحثية وازنة تابعوا تطورات الحرب ومصادر التسليح.
وفي الاتجاه ذاته، تناولت رويترز في 27 أكتوبر الانتقادات التي وجهها مراقبون حقوقيون للمرشحة، ونقلت مواقف كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، الذي اعتبر أن دفاعها عن الموقف الإماراتي وإنكارها المتكرر لاتهامات دعم قوات التمرد يثيران تساؤلات حول المكانة الأخلاقية المطلوبة لمن يتولى الأمانة العامة.
كما دخلت صحيفة واشنطن بوست على خط النقاش، مستعرضة ما يحيط بالترشيح من تساؤلات بشأن العلاقة بين المرشحة والسياسة الخارجية لدولتها، وما إذا كان ذلك قد يثير تضارباً في المصالح عند التعامل مع ملف السودان.
واللافت هنا أن هذه التغطيات لم تتعامل مع المسألة باعتبارها خلافاً ثنائياً بين الخرطوم وأبوظبي، بل باعتبارها اختباراً لمصداقية المؤسسة الدولية ذاتها وجرأة الدولة ومرشحتها للمنصب على هذه الخلفيات.
ثانياً: ماذا تقول الوثائق الدولية عن الدعم الخارجي للحرب؟
من المهم التمييز بين الاتهامات السياسية وبين ما وثقته المؤسسات الدولية. وفي هذا السياق، تبرز تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن دارفور، ولا سيما تقرير يناير 2024، الذي وصف الاتهامات المتعلقة بنقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر أم جرس في تشاد بأنها ذات مصداقية، مع تناول مسارات الإمداد والاتهامات المرتبطة بالدعم الخارجي فضلا عن ماعبر ليبيا .
ثم جاء تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر في سبتمبر 2026، تحت عنوان «تأجيج الصراع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي»، ليقدم مادة أكثر تفصيلاً عن البنية العابرة للحدود التي تسهم في استمرار الحرب.
فقد وثق التقرير شبكات لتجنيد وتمويل ونقل ونشر أفراد أجانب لدعم قوات الدعم السريع، فضلاً عن نقل الأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية والدعم اللوجستي. وأشار تحديداً إلى أن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدت دوراً مهماً في شبكات تجنيد وتمويل ونقل ونشر متعاقدين عسكريين أجانب وتقديم دعم ذي صلة بالعمليات العسكرية لصالح قوات الدعم السريع.
وهذه صياغة أممية بالغة الأهمية، تستوجب الدقة: التقرير يتحدث بخجل عن أفراد وكيانات وشبكات مرتبطة بالإمارات، وهي عتبة لتحويل ذلك الي بينة إضافية تؤسّس لحكم قضائي نهائي يقرر مسؤولية الدولة الإماراتية ذاتها.
كما أن التقرير تناول أشكال الدعم الخارجي ،
غير أن ورود الشبكات المرتبطة بالإمارات في سياق دعم قوات التمرد، وفي ظل ما ارتكبته الأخيرة من انتهاكات واسعة، يضع أبوظبي أمام أسئلة دولية لا يمكن تجاوزها بمجرد النفي الدبلوماسي أو الهروب من المسئولية .
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة عند استحضار ما شهدته الفاشر في أكتوبر 2025، حيث تحدثت الأمم المتحدة عن مؤشرات تحمل سمات الإبادة الجماعية، فيما وثقت تقارير دولية عمليات قتل جماعي واغتصاب وتهجير قسري وانتهاكات ذات طابع إثني فيها و خارجها من المدن و أرياف السودان.
إن المأساة السودانية لم تعد مجرد نزاع على السلطة أو صراع بين تشكيلين عسكريين كما تصوره الإمارات؛ بل أصبحت قضية تتعلق بحماية السكان، ووحدة الدولة، ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
ثالثاً: هيومن رايتس ووتش وشخصيات العدالة الدولية
بلغت الانتقادات مستوى أكثر مباشرة مع البيان الذي أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش في 28 أكتوبر 2026 تحت عنوان «مرشحة الإمارات للأمين العام للأمم المتحدة تبيّض الانتهاكات».
وقد انتقدت المنظمة سجل لانا نسيبة في الدفاع عن السياسات الإماراتية، وخصّت بالذكر إنكارها المتكرر لوجود دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، رغم ما تقول المنظمة إنه أدلة موثقة في تقارير الأمم المتحدة بشأن الروابط والشبكات التي أسهمت في دعم تلك القوات.
ونقل البيان عن برونو ستاغنو أوغارتي، مسؤول المناصرة في المنظمة، انتقادات حادة لما وصفه بتضليل الرأي العام بشأن سجل الإمارات الحقوقي، ولا سيما التقليل من شأن التقارير الأممية المتعلقة بالسودان.
كذلك برز موقف كينيث روث، الذي لم يتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد اختلاف في التقدير الدبلوماسي، بل ربطها بالقدرة على ممارسة القيادة الأخلاقية المطلوبة من الأمين العام.
ومن الجانب السوداني، نقلت التغطيات عن الناشطة حلا الكارب، المديرة الإقليمية للمبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي، اعتراضها على غياب سجل مستقل للمرشحة عن دور حكومتها في السودان، كما عبّر ناشطون وممثلون عن الجاليات السودانية عن خشيتهم من أن يؤدي وصولها إلى الموقع إلى إضعاف فرص المساءلة والعدالة للضحايا من المدنيين الأبرياء.
ولم تقتصر هذه الاعتراضات على البيانات التقليدية، بل امتدت إلى منصات دولية وندوات شارك فيها خبراء وحقوقيون وناجون من فظائع الفاشر، الأمر الذي منح القضية بعداً إنسانياً يتجاوز الجدل الدبلوماسي الي العدالة.
إن جوهر الاعتراض هنا ليس أن المرشحة إماراتية، ولا أن لها مواقف سياسية سابقة، وإنما أن سجلها العلني في الدفاع عن سياسة دولتها في ملف تتعلق به اتهامات خطيرة وفظائع مثبتة يضع استقلالها المستقبلي موضع تساؤل.
رابعاً: التناقض بين خطاب المرشحة ومطالب المساءلة
خلال حوارها مع الدول الأعضاء في الجمعية العامة في 27 أكتوبر، واجهت نسيبة أسئلة مباشرة عن الاتهامات الموجهة لدولة الإمارات بشأن دعم قوات التمرد.
وكان ردها أنها أخذت إجازة من منصبها الوزاري الإماراتي، وأن الأسئلة المتعلقة بسياسة الدولة ينبغي توجيهها إلى ممثلية الإمارات، في إشارة إلى رغبتها في الفصل بين موقعها الحكومي السابق ومسؤولياتها المحتملة في الأمانة العامة.
وفي الوقت نفسه، أكدت أن السودان سيكون في مقدمة أولوياتها إذا تولت المنصب، وأشارت إلى فظاعة الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وأبدت دعمها لعمل بعثات تقصي الحقائق والمساءلة والعدالة الانتقالية، ولجهود وقف إطلاق النار والتوصل إلى عملية سياسية شاملة.
وهنا تظهر المفارقة التي ستظل ملازمة لترشيحها: فهي مطالبة بإقناع المجتمع الدولي بأنها ستكون مستقلة عن السياسات التي دافعت عنها لسنوات، والحرب لا تزال تسيطر على المشهد بآثارها الممتدة، وأنها قادرة على إدارة ملف قد تتطلب معالجته مساءلة أطراف وشبكات مرتبطة بدولتها تطال شخصها مباشرة.
ولا يكفي في هذا السياق إعلان الاستقلال الوظيفي أو الاستناد إلى المادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقرر استقلال الأمين العام وموظفي المنظمة عن تلقي التعليمات من الحكومات؛ إذ إن الاستقلال المؤسسي لا يقتصر على الالتزام القانوني بعد التعيين، بل يرتبط أيضاً بثقة الدول والشعوب في قدرة المرشح على ممارسة هذا الاستقلال دون تضارب مصالح أو انتقائية.
خامساً: مجلس الأمن.. حسابات المصالح تتجاوز أحياناً الاعتبارات الأخلاقية
إذا انتقلنا من ميدان الانتقادات الإعلامية والحقوقية إلى ميدان القرار السياسي، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً؛ فاختيار الأمين العام ليس عملية انتخابية مفتوحة بالمعنى التقليدي، وإنما عملية تحكمها المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث يوصي مجلس الأمن بمرشح، ثم تتولى الجمعية العامة تعيينه.
وهنا تكمن أهمية المواقف داخل مجلس الأمن، ولا سيما أن الدول الخمس دائمة العضوية تملك حق النقض، وهو ما يجعل أي مرشح بحاجة إلى تسعة أصوات على الأقل، مع تجنب اعتراض أي دولة دائمة العضوية.
وقد أظهرت الجولة السابعة من التصويت غير الرسمي، التي جرت في 30 أكتوبر 2026، نتائج تستحق التوقف عندها:
المرشح مؤيد معارض بلا رأي
ريبيكا غرينسبان – كوستاريكا 11 4 0
رافائيل غروسي – الأرجنتين 9 4 2
كارولين رودريغيز – غيانا 8 6 1
لانا نسيبة – الإمارات 7 6 2
وتكشف هذه النتائج أن نسيبة دخلت المنافسة بقوة نسبية، لكنها لم تحقق حتى الآن موقع الصدارة، وجاءت رابعة في هذه الجولة، خلف مرشحي أمريكا اللاتينية الذين يمتلكون الحق الأصيل في خلافة المنصب.
والأهم أن التصويت السابع جرى باستخدام بطاقات غير مميزة بين الدول دائمة العضوية والدول العشر المنتخبة، ولذلك لا يمكن الجزم من نتائجه وحدها بموقف الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو بريطانيا أو فرنسا من المرشحة الإماراتية.
وهذه نقطة مهمة؛ إذ إن الاعتراضات الستة على نسيبة لا تعني بالضرورة وجود ستة اعتراضات من الدول الكبرى، كما أن الأصوات السبعة المؤيدة لا تعني حصولها على تأييد أي دولة دائمة العضوية بعينها.
وقد كشفت الجولة السابقة، التي استخدمت بطاقات ملونة لتمييز أصوات الدول الخمس الكبرى، عن عدم وجود مرشح تمكن من تجاوز اعتراضات القوى الدائمة. ومن ثم فإن المنافسة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.
انقسام إقليمي وتباين في الحسابات الدولية
هناك ثلاثة مستويات ينبغي قراءتها في هذا السياق:
أولاً: الموقف الخليجي.
حظيت نسيبة بتأييد جماعي من دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهو ما يعكس رغبة خليجية في تقديم مرشح من المنطقة إلى موقع دولي بهذا الحجم، ويمنح ترشيحها ثقلاً دبلوماسياً وإقليمياً، على تبعات هذا الترشيح على دولة بحجم السودان وما لحق ببنيته التحتية من دمار وبشعبه من قتل وانتهاكات صارخة .
لكن هذا التأييد الإقليمي لا يتحول تلقائياً إلى ضمانة داخل مجلس الأمن، حيث تختلف حسابات الدول الكبرى عن حسابات التضامن الإقليمي الذي تمليه اعتبارات بينية. وقد دفعت تركيا بمرشح من شأنه أن يغير جزء من المعادلة و ديناميات المنصب ستحدث أثراً.
ثانياً: الموقف اللاتيني والكاريبي.
برز اعتراض مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي (CELAC)، التي تمسكت بأحقية منطقتها في تولي المنصب وفق مبدأ التناوب الجغرافي غير المكتوب، وأبدت تحفظات على دخول مرشحة من خارج الإقليم في مرحلة متقدمة من السباق.
وهذا الموقف لا يرتبط بالسودان وحده، بل يعكس تنافساً على التمثيل الجغرافي، ورفضاً لأن تؤدي الترشيحات المتأخرة إلى تغيير اتجاه المنافسة بعد أن قطعت بعض المرشحات شوطاً في التصويت.
ثالثاً: حسابات الدول الخمس الدائمة العضوية.
تظل هذه الحلقة الأكثر أهمية وغموضاً.
فالولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا لا تنظر إلى المرشحين من زاوية واحدة؛ إذ تتداخل لديها اعتبارات النفوذ الإقليمي، والعلاقات الثنائية، ومستقبل إصلاح الأمم المتحدة، ومواقف المرشح من النزاعات الدولية.
وتكتسب الحالة الإماراتية خصوصية إضافية، بالنظر إلى شبكة علاقاتها الدولية، وموقعها الاقتصادي والاستراتيجي، وعلاقاتها مع عدد من القوى الكبرى ونفوذها الذي يستخدم في تدمير دولة عربية والإضرار بشعبها .
ومن هنا لا يصح افتراض أن الانتقادات الحقوقية ستترجم بالضرورة إلى رفض سياسي داخل المجلس، كما لا يصح اعتبار العلاقات الإماراتية الدولية ضمانة لتجاوز الاعتراضات.
إن الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه القوى ستتعامل مع ملف السودان باعتباره قضية تتصل بمصداقية الأمم المتحدة، أم ستغلب عليه اعتبارات الشراكات والمصالح المتبادلة.
سادساً: قضية محكمة العدل الدولية.. ما الذي حُسم وما الذي لم يُحسم؟
لا يمكن إغفال المسار القضائي الذي فتحته الحكومة السودانية أمام محكمة العدل الدولية في مارس 2025، عندما أقامت دعوى ضد دولة الإمارات بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، متهمة إياها بالتواطؤ في انتهاكات مرتبطة بدعم قوات الدعم السريع.
وقد رفضت المحكمة في 5 مايو 2025 طلب التدابير المؤقتة، وأمرت بشطب القضية من جدولها، بسبب عدم اختصاصها بالنظر فيها في ضوء التحفظ الإماراتي على المادة التاسعة من الاتفاقية.
ومن الضروري هنا توضيح أن المحكمة لم تفصل في موضوع الاتهامات، ولم تصدر حكماً يثبت أو ينفي مسؤولية الإمارات عن الوقائع موضوع الدعوى؛ وإنما انتهت إلى عدم اختصاصها القضائي بسبب التحفظ المذكور.
ومع ذلك، فإن وجود هذه الدعوى، وما رافقها من مرافعات ووثائق ومواقف قانونية، يضيف بعداً آخر إلى النقاش بشأن ترشيح شخصية كانت في موقع الدفاع الدبلوماسي عن موقف دولتها من الاتهامات السودانية.الي جانب شكوى السودان للإمارات مرتين بمجلس الامن.
فالقضية لم تعد محصورة في سجال إعلامي، وإنما أصبحت جزءاً من سجل قانوني وسياسي دولي يتعين على المرشحة التعامل معه بوضوح وشفافية.
سابعاً: دول الجوار وشبكات الإسناد الإقليمي
من أخطر أبعاد الحرب السودانية أنها لم تبق محصورة داخل الحدود الوطنية، بل تشابكت مع مسارات إقليمية عابرة للحدود، شملت نقل السلاح والمقاتلين وتسهيل الإمداد والتمويل.
والرعاية والتوظيف الإعلامي ، وقد أشار تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية لعام 2026 إلى شبكات عملت عبر عدة دول، من بينها الإمارات وتشاد وليبيا والصومال، في عمليات مرتبطة بتجنيد ونقل وتمويل أفراد وتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع.
وهذا يفتح ملفاً إقليمياً واسعاً حول مسؤولية الدول التي سمحت أراضيها أو شبكات عاملة فيها بمرور الإمدادات أو المقاتلين، وحول مدى علم السلطات المعنية بتلك الأنشطة وقدرتها على منعها وحركة رصد العديد من الرحلات الاماراتية لدول جوار السودان.
وهنالك حديث يطول عن تأليب الإمارات لبعض دول جوار السودان أو توظيفها في إدامة الحرب، مما تناولته التقارير بالرصد على أساس الوقائع المحددة والأدلة المتعلقة بكل دولة، لا باعتباره حكماً عاماً على جميع علاقات السودان الإقليمية.
فالمسألة الاستراتيجية الأعمق هي أن استمرار تدفق السلاح والمرتزقة والتمويل عبر الحدود يحول الحرب السودانية إلى منظومة صراع إقليمي، ويهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، ويضع دول الجوار أمام مسؤوليات مباشرة تتعلق باحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، مقارنة الخراب والدمار والإفقار الذي لحق.
ومن ثم فإن الأمين العام المقبل لن يكون أمام أزمة إنسانية فحسب، بل أمام اختبار يتعلق بقدرة الأمم المتحدة على تفكيك شبكات الإسناد الخارجي، ومساءلة المتورطين، ومنع تدويل الحرب على حساب الدولة السودانية وشعبها.
ثامناً: إلى أين تتجه حملة الاعتراض؟ وما مآلاتها؟
يمكن قراءة الحملة الراهنة من خلال أربعة مسارات متداخلة:
- انتقال الملف من الاعتراض السوداني إلى النقاش والفضاء الدولي العام.
لم تعد القضية مجرد موقف صادر عن الحكومة السودانية أو القوى المناهضة للدعم السريع، فقد أصبحت موضوعاً تتناوله صحف دولية، ومنظمات حقوقية، وشخصيات ذات حضور في المؤسسات الأكاديمية والحقوقية، فضلاً عن ناشطين وناجين من الانتهاكات.
وهذا التحول يرفع كلفة تجاهل الأسئلة المطروحة، ويجعل المرشحة مطالبة بتقديم إجابات تتجاوز النفي السياسي العام. - احتمال استمرار الضغط الحقوقي خلال مراحل الاختيار.
من المتوقع أن يظل ملف السودان حاضراً في النقاشات المتعلقة بالمرشحة، لا سيما في ضوء تقارير بعثة تقصي الحقائق والانتقادات الصادرة عن هيومن رايتس ووتش وشخصيات حقوقية بارزة وناشطون ومؤثرين.
لكن تأثير هذا الضغط لن يكون آلياً؛ فمجلس الأمن مؤسسة سياسية تتخذ قراراتها وفق توازنات متعددة، وقد تتعايش داخلها الانتقادات الحقوقية مع حسابات المصالح والتحالفات. - تحول الترشيح إلى اختبار للعلاقة بين النفوذ والمساءلة والعدالة الدولية.
تمتلك الإمارات شبكة علاقات دبلوماسية واقتصادية واسعة، وهو عامل يمنح مرشحتها حضوراً في المنافسة. غير أن هذه الميزة نفسها قد تجعل الترشيح أكثر عرضة للتدقيق والنقاشات ، لأن السؤال المطروح هو ما إذا كان النفوذ الاقتصادي والسياسي قادراً على تجاوز الاعتراضات المتعلقة بسجل الدولة في نزاع دولي بالغ الخطورة، الي جانب قضايا مشابهة في المنطقة. - احتمال إعادة تشكيل المنافسة.
إن عدم وجود إجماع داخل مجلس الأمن، وتقدم ريبيكا غرينسبان في الجولة السابعة، إلى جانب اعتراضات دول أمريكا اللاتينية والكاريبي على تجاوز الدور الإقليمي، كلها عوامل تجعل السباق مفتوحاً أمام تحولات وترشيحات جديدة.
ولذلك لا يمكن الجزم بأن الحملة الحقوقية ستسقط ترشيح نسيبة، كما لا يمكن اعتبار حصولها على سبعة أصوات مؤيدة دليلاً على قدرتها على بلوغ المنصب. فالتصويت غير الرسمي لا يكشف وحده مواقف الدول الدائمة، والقرار النهائي يظل رهيناً بتوافقات المجلس وتجنب استخدام حق النقض.
تاسعاً: السودان بين معركة الترشيح ومعركة استعادة الدولة
بالنسبة للسودان، فإن أهمية هذه القضية لا ينبغي أن تختزل في قبول مرشحة أو رفضها، ولا في الدخول في مواجهة شخصية مع الدبلوماسية الإماراتية؛ فالمسألة أوسع من ذلك بكثير.
إنها فرصة لإعادة وضع الحرب السودانية في مركز الاهتمام الدولي، وربط الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين بمسؤولية مرتكبيها، وبمسؤولية شبكات الإسناد الخارجي التي أسهمت في استمرار الحرب.
وتسويق السردية الاماراتية إبان فترة لانا كمندوبة للإمارات ، كما أن على الدبلوماسية السودانية أن تميز بين ثلاثة مسارات:
• المسار القانوني: تقديم الأدلة والوثائق بشأن مصادر السلاح والتمويل والتجنيد والإمداد، ومتابعة آليات التحقيق والمساءلة الدولية.
• المسار الدبلوماسي: مخاطبة الدول الأعضاء في مجلس الأمن والجمعية العامة، وإحاطتها بالوقائع الموثقة، وبيان انعكاسات استمرار الحرب على الأمن الإقليمي والدولي.
• المسار الحقوقي والإعلامي: توثيق الجرائم والانتهاكات، وإتاحة شهادات الضحايا، والتعاون مع المنظمات المستقلة والصحافة الدولية، بعيداً عن المبالغة أو الخلط بين الادعاءات والنتائج القانونية.
فالقضية ليست مجرد خلاف حول شخصية مرشحة، وإنما تتصل بمستقبل الثقة في المنظمة الدولية، وبقدرتها على التعامل مع الدول ذات النفوذ وفق معيار واحد، دون ازدواجية أو انتقائية.
الخاتمة: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تكون حكماً وهي موضع اختبار؟
إن ترشيح لانا نسيبة وضع الأمم المتحدة أمام نقاش يتجاوز حدود المنافسة على منصب الأمين العام؛ إذ أعاد طرح سؤال قديم ومتجدد حول العلاقة بين القوة والعدالة، وبين النفوذ السياسي والمسؤولية الدولية، وازدواجية المعايير.
فالأمين العام ليس ممثلاً لدولة رشحته، ولا وكيلاً عن تحالف إقليمي أو مجموعة مصالح دولية، وإنما هو المسؤول الإداري الأول عن منظمة تقوم شرعيتها على المساواة في السيادة، واحترام القانون الدولي، وحفظ السلم والأمن، وحماية الشعوب من ويلات الحروب والنزاعات.
ومن هنا فإن جوهر النقاش لا ينبغي أن يكون متعلقاً بأصل المرشحة أو جنسيتها، ولا أن يتحول إلى محاكمة سياسية مسبقة لها، وإنما يتعلق بسجلها المهني و مدى قدرتها على إقناع المجتمع الدولي باستقلالها عن السياسات التي دافعت عنها، وباستعدادها للتعامل مع ملف السودان دون انتقائية، بما في ذلك مساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن تغذية الحرب أو ارتكاب الانتهاكات.
وفي المقابل، فإن على مجلس الأمن أن يجيب عن سؤال لا يقل أهمية: هل ستظل معايير النزاهة والاستقلال والقدرة على صون مبادئ الميثاق حاضرة في اختيار الأمين العام، أم ستتراجع أمام حسابات النفوذ والمصالح؟
إن السودان، في هذه المعركة، لا يدافع عن موقف سياسي عابر، بل يطرح قضية سيادة دولة وحقوق شعبه العادلة وكرامة ضحايا حرب مدمرة. ومهما كانت نتيجة السباق، فإن الاختبار الحقيقي للأمم المتحدة لن يكون في اسم من يجلس على مقعد الأمين العام، وإنما في قدرتها على إثبات أن القانون الدولي لا يتغير بتغير هوية المتهم أو حجم نفوذه وقدراته الذاتية، دون وازع اخلاقي أو ضمير إنساني! ودون مراعاة للمبادىء الأممية المرعية وكلفة الحرب التي ترتبت!؟.
——————-
٣ نوفمبر ٢٠٢٦ م .
