حوار لا يعيد إنتاج الأزمة.. ماذا يريد السودانيون من طاولة الحل؟

متابعات :اخبار السودان

مع تصاعد التحركات الإقليمية والدولية والمبادرات الرامية إلى إيجاد حل للأزمة السودانية، يتجدد الجدل حول جدوى الحوار السوداني–السوداني، ومن يمثل من، وما إذا كانت طاولات التفاوض قادرة هذه المرة على الوصول إلى تسوية تعالج جذور الأزمة ولا تعيد إنتاجها.

فهل لا يزال السودانيون يرون في الحوار مخرجاً من نفق الحرب؟ أم أن خيبات التجارب السابقة أضعفت الثقة في طاولات التفاوض؟ في هذا الاستطلاع، تتباين إجابات أكاديميين ومواطنين ونازحين، لكنها تلتقي عند ضرورة أن يكون أي حوار مختلفاً عن التجارب السابقة، وأكثر ارتباطاً بجذور الأزمة واحتياجات المواطنين.

الساعوري: القوى السياسية تتعامل بمنطق «ربح أو خسارة»

يرى الخبير الأكاديمي البروفيسور حسن الساعوري أن الهدف الأساسي من الحوار السوداني–السوداني يجب أن يتمثل في جمع القوى السياسية المختلفة والمتعارضة، إلى جانب الأطراف المنخرطة في الصراع السياسي أو العسكري، للجلوس إلى طاولة واحدة والتوافق على منهج واضح لحكم السودان.

وقال الساعوري إن السودان، منذ الاستقلال، لم يستقر على منهج متفق عليه للحكم، مشدداً على ضرورة مناقشة هذه القضية والخروج من دائرة الصراع السياسي حول شكل الدولة ونظام الحكم.

وأوضح أن مفهوم الحكم الديمقراطي يختلف في تطبيقاته من مجتمع إلى آخر، مشيراً إلى وجود نماذج ديمقراطية متعددة، بينها النظام البريطاني والفرنسي والسويسري والأمريكي، وأن هذه التجارب طورت آليات تتناسب مع مجتمعاتها، مع الالتزام بقواعد أساسية من بينها الاعتراف بالآخر.

وأضاف أن التعامل مع السياسة بمنطق «ربح وخسارة» أو «إما أن أربح كل شيء أو أخسر كل شيء» يمثل مشكلة أمام بناء نظام ديمقراطي مستقر، مشيراً إلى أن القوى السياسية السودانية كثيراً ما تتعامل وفق ما وصفه بـ«القاعدة الصفرية».

وشدد الساعوري على أهمية التوافق حول نظام ديمقراطي سوداني، معتبراً أن القوى السياسية التي تتجاوز منطق الصراع الصفري تحتاج إلى بيئة مواتية لزراعة نظام ديمقراطي.

وأشار إلى أن الخطاب السياسي السوداني ظل في كثير من الأحيان أقرب إلى خطاب الكراهية منه إلى خطاب التعايش، داعياً إلى إعادة صياغة الثقافة السياسية السودانية بما يجعلها أكثر قبولاً بالآخر وأكثر استعداداً للتوافق.

ويرى الساعوري أن الحوار في الظروف الحالية أصبح ضرورة، لكنه يحتاج إلى أرضية ديمقراطية وثقافة سياسية جديدة حتى لا يتحول إلى مجرد جولة أخرى من الصراع السياسي.

ماهر صالح: إعادة بناء الإنسان قبل الحجر

من جانبه، دعا نائب مدير جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا السابق ومدير جامعة غرب كردفان الأسبق، البروفيسور ماهر صالح، إلى إعطاء الأولوية لإعادة بناء «الإنسان السوداني»، وترميم الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب.

وأكد أن الأضرار المعنوية والنفسية التي لحقت بالمواطنين وإعادة الطمأنينة إليهم تتجاوز في أهميتها الخسائر المادية، التي يمكن تعويضها وإعادة بنائها بمرور الوقت.

وعبّر ماهر عن تأثره بالتفاعل العاطفي والوطني للأساتذة أثناء عزف النشيد الوطني في بداية اللقاء، معتبراً أن تلك اللحظات تعكس عمق الارتباط بالوطن والشوق إلى العودة والاستقرار.

وقال إن المؤشرات الحالية تبعث على الأمل في تجاوز مرارات المرحلة، مشدداً على أن المسؤولية الوطنية تتطلب فتح صفحة جديدة تقوم على العفو والتسامح بين أبناء الوطن الواحد.

وأضاف: «لا بديل لنا عن الوطن، فمهما بلغت كرم الضيافة وحسن المعاملة في دول الشتات، يظل السودان هو الأصل والملجأ الذي لا يمكن التخلي عنه».

وأكد دعمه للحوار «السوداني–السوداني» القائم على النوايا الصادقة والتصافي، داعياً مختلف المكونات السودانية إلى الجلوس معاً وتجاوز الخلافات، وصولاً إلى حلول شاملة تعيد للبلاد أمنها واستقرارها.

محمد علي: الحوار الذي يتجاهل الجذور يعيد إنتاج الأزمة

ويرى المواطن محمد علي أن الشباب دفعوا الثمن الأكبر للحرب، مؤكداً أن اختلاف الإجابات وتباين الشروط لا يلغي وجود نقطة مشتركة تتمثل في ضرورة أن يخاطب الحوار جذور الأزمة ومعاناة المواطنين على الأرض.

وقال إن أي حوار لا يضع العدالة والمحاسبة وعودة النازحين ضمن أولوياته، سيكون مجرد «حوار نخب» جديد، وقد يعيد إنتاج الأزمة بوجوه مختلفة.

وشدد على أن نجاح أي عملية حوارية يرتبط بمدى قدرتها على الانتقال من نقاش النخب والقوى السياسية إلى معالجة القضايا التي يعيشها المواطنون بصورة مباشرة.

عائشة: نريد حوار القواعد لا حوار السياسيين

أما عائشة آدم، وهي نازحة من ولاية جنوب كردفان، فتقول إن الحرب أفقدتها منزلها وشردت أسرتها، وفرضت على كثير من السودانيين سنوات من المعاناة والنزوح.

وقالت إن مطلبها الأساسي هو «العودة الآمنة والاستقرار وإعادة الإعمار» داخل الوطن، معربة عن أملها في أن ينتهي الصراع ويعود النازحون إلى ديارهم.

وترى عائشة أن الحوار يجب ألا يظل محصوراً بين السياسيين، معتبرة أن حوار النخب وحده لن يحقق أهداف المواطنين إذا لم يشارك فيه أصحاب المصلحة الحقيقيون في القرى والمناطق المتضررة من الحرب.

وقالت إن قناعتها تقوم على «حوار القواعد»، مشيرة إلى أن المواطن الذي يحمل «الطورية» ويعود إلى الزراعة يمثل، في نظرها، جزءاً أساسياً من إعادة تحريك الاقتصاد وبناء البلاد.

وأضافت أن الزراعة تمثل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد السوداني، ولذلك تأمل أن يضع الحوار قضايا المواطنين والإنتاج وإعادة الإعمار في صلب اهتماماته.

شروط مختلفة.. ونقطة اتفاق

تكشف هذه الآراء تبايناً في الأولويات؛ فبينما يركز الساعوري على الاتفاق حول نظام ديمقراطي وثقافة سياسية تتجاوز منطق الصراع الصفري، يضع ماهر صالح إعادة بناء الإنسان وترميم آثار الحرب النفسية والاجتماعية في المقدمة.

أما المواطنون، فيدفعون باتجاه حوار أكثر التصاقاً بالواقع؛ حوار يعالج جذور الأزمة، ويضع العدالة والمحاسبة وعودة النازحين وإعادة الإعمار ضمن أولوياته، ولا يظل محصوراً في القوى السياسية والنخب.

وبين هذه الرؤى المختلفة، تبرز قناعة مشتركة بأن قيمة الحوار لا تقاس بمجرد انعقاد جلساته، وإنما بقدرته على إنتاج معالجة مختلفة للأزمة، والاستماع إلى المتضررين، وتوسيع المشاركة، والوصول إلى توافق يمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع.

فالسؤال الذي يظل مطروحاً أمام أي طاولة تفاوض سودانية هو: هل يستطيع الحوار هذه المرة أن ينتقل من تفاوض النخب إلى معالجة جذور الأزمة وبناء سلام يشعر به المواطن على الأرض؟

المصدر :منصة الحوار