الفاشر تقترب من العودة

حديث السبت

يوسف عبد المنان

الفاشر تقترب من العودة

حافظ بخيت يكشف تفاصيل ليالي الرُعب قبل السقوط

من فارهات السلطة الي ظهور الحمير والجمال في رحلة الخروج من الجحيم

(1)
في بيت رجل الأعمال عثمان محمد الحسن العامر بالناس من كل السحنات وجغرافيا السودان العريض ،حدثني شاب عشريني يتوكأ على عصا من أثر إصابة بالغة في إحدى معارك حرب الكرامة بدأ الشاب يتحدّث وهو ينفث دخان سجارته (هذا الجرح سوف يندمل قريباً أنا أصبت في معركة جبرة الشيخ ولكن الجرح الكبير في قلبي سقوط مدينة الفاشر وتفرق أسرتي مابين طويلة وتشاد والدبة والله الجنجويد نفرّقهم بين تشاد والنيجر وليبيا وسنقتص ثأراً لأهلنا) ،نبرة الغضب تبدّت من ملامح الشاب الذي يثق في نفسه وفي القوات المشتركة التي ينتمي إليها وهي الآن تدق أبواب الجنينة وعلى بعد أقل من ٤٠ كلم ولكن طوفان القوات المسلحة القادم لن يتوقف إلا في فوربرنقا كما قال بذلك رئيس الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا الاسبوع الماضي ،وفي ذات الوقت بدأت القوات المشتركة الزحف بالبطئ من محليات أم برو وكارنوي والطينة وهي المحليات الثلاثة المحرّرة في كل ولايات دارفور ولم يدخلها الجنجويد بفضل بسالة سكانها من الزغاوة وقوات الدفاع عن النفس التي استطاعت صد كثير من هجمات الجنجويد رغم فارق التسليح والامكانيات ومن كردفان ظلت القوات الجوية تضرب كل يوم في تجمعات المليشيا حتى ضعفت ووهنت وبات غرب كردفان أقرب من حبل الوريد ،وخلت مدن النهود وغبيش والخوي وعيال بخيت من الوجود العسكري وأطلقت قوات تدعي فزع كردفان يقودها عدد من قادة قوات الاحتياط نداء الفزع لتحرير دار حمر قبل أن تجف مياه الخريف وإذا عادت الفاشر في غضون أيام من الآن فإن الحكومة مطالبة بإعادة تعمير عاصمة الإقليم من الصفر بعد هدم الفاشر بالتدوين والتخريب، وقصة خراب الفاشر تظل محفورة في مخيلة شهود عيان على أكثر من “٢٤٠” معركة خاضها فرسان المدينة في مواجهة دولاً وعصابات من تشاد وجنوب السودان وكولمبيا والإمارات وليبيا وإثيوبيا ومن فرسان معركة الفاشر الحافظ محمد بخيت الضابط الإداري العريق ووالي شمال دارفور الذي هبط من السيارة الفارهة وامتطى ظهر الحمير والجمال في رحلة الخروج من الجحيم كما يروي قليل من فصولها ويترك تفاصيل مسكوت عنها في الوقت الراهن أما بسبب سياسي أو أمني.
(2)
في مكتب متواضع جدا بأم درمان قادني الصديق مالك صندل وهو رجل أعمال له أنشطة تجارية في عدد من البلدان الأفريقية والعربية وبدت نبرة الحزن عميقة جداً في نفس الوالي حافظ وهو يتحدث عن الفاشر التي أحبها وأحبته قبل أن يُطرد منها مرغماً مثل جندي نفدت ذخيرته في ميدان المعركة واضطر للانسحاب، قلت له كيف هي حال الفاشر بعد سقوطها وانت الوالي بين يديك معلومات تتدفق كل ساعة فقال (عدد الناس في الفاشر قليل جداً ورفض المواطنين دعوات المليشيا لهم للعودة وقامت المليشيا بعمل دعائي عن صيانة مستشفى الفاشر ولكن كيف يستجيب الناس لمن قتلهم بدم بارد) وأضاف التحرير وطرد المليشيا هو السبيل الوحيد أمامنا وقد اقترب التحرير من حيث العدة والعتاد ولكن الفاشر كمدينة لك أن تعلم كل بيت في الفاشر به مقبرة لشهيد أو عدد من الشهداء وبالتالي بعد التحرير لدينا خطة واضحة وترتيب آليات تبدأ بصحة البيئة وهذه تحتاج لإمكانيات كبيرة وقد تحدثت إلى وزير الصحة بذلك ثم المياه التي شهدت المدينة والقرى تدمير كامل لمحطات المياه تم ثقب الخزانات ونهب الطلمبات
سألته كيف كانت ليالي الحصار؟ قال إنها تجربة قاسية تكشف عن معدن هذا الشعب القادر على قهر المستحيل وتذليل الصعاب ومن أشق المسؤليات أن تجد نفسك في موضع المسؤولية عن حياة الناس وعن الأكل والشرب والدواء وقد واجهنا الحصار بعزيمة لاتلين وكنا بين قادة عظام ورجال شجعان من ضباط القوات المسلحة والمشتركة كنت اقيم في بيت الوالي الذي دمّر تماماً وتساقطت الدانات من حولنا تصيب الشهداء وتجرح البعض، ومن الأشياء التي تظل محفورة في مخيّلتي حتى قيامة الموت إن بعض الجرحى والمصابين يتبرعون بدمهم لإخوانهم المصابين الجدد وفي إحدى الحالات كان من بيننا مصاب إصابة كبيرة وقد أيقن البطل بأنه سيموت قريبا فما كان منه إلا أن قال لنا خذوا دمى لعله ينقذ حياة إنسان آخر أنا سأغادر الدنيا.
أما الدواء يصلنا في الفاشر من الضعين يحمله أحياناً الناس في ملابسهم وتحمل الذرة على ظهور الجمال نشتري الجمل من الضعين ومن الجنجويد أنفسهم ويحمّل جوالات الذرة وحينما يصل الفاشر ننحره ليأكل الناس وهكذا. من هلاك المدعو على يعقوب في الفاشر وتحييد الطيران الذي كان يسقط الغذاء والدواء ضاقت علينا الأرض وبدأ الجوع ينخر في عظامنا ونحن تحت الحصار لافرق عندنا بين جندي وضابط في ذلك اليوم تم ضرب بيت الوالي بمسيرة استراتيجية وسقط الصاروخ قريباً من غرفتي وتطاير الزجاج وبسبب الارتجاج الشديد فقدت الوعي لنحو ساعة ثم نهضت ونفضت بقايا التراب والزجاج وأصبح البيت غير صالح للسكن ودمرت العربات التي بالبيت وخرجت إلى بيت آخر في قلب المدينة يتكون من طابقين اخترت السكن في الطابق الأعلى ولاحقتنا المسيرة الاستراتيجية مرة أخرى ولم يصب أحد ،وهكذا كنا نعيش حتى نفد الغذاء منا وكان يمكن أن نقاوم لفترة أطول ولكن الجوع أثّر كثيراً على المقاومة لفترات طويلة حتى قطعت عنا الاتصالات بمؤامرة كبيرة جداً اشتركت فيها جهات عديدة ورغم ذلك انعقدت جلسة للجنة الأمن تدولنا فيها الخيارات التي أمامنا وكان الخيار المتاح هو ترتيب أمر الانسحاب من المدينة التي دُمرت تماماً وتم حصارها بآلاف الجنود والآليات، ولكن لدينا قوات مدربة على كيفية الانسحاب عندما يتعرّضون لمثل هذه الظروف خرجنا المجموعة قبل الأخيرة ليلاً وتم دفن الخليج الترابي الأول والثاني وبدأ السيارات تعبر باتجاه جبل واني وكنت وآخرين في العربة المصفحة الخاصة بالوالي وبعد سيرنا مسافة بعيدة من الفاشر والرصاص ينهمر ضربت سيارتنا بصاروخ ودمرت وماكان لنا من خيار غير السير على أقدامنا كنت ارتدي ملابس اشتراكية وحرسي من فرسان الشرطة وتوجهنا بأقدامنا سلاحنا التوكل على الله بعد مسيرة طويلة ركبت حمار (ريفاوي) هي نوع من الحمير سريعة الخطي غاليه الثمن واستاجر البعض الجمال لتسير بهم أيام وليالي في ظروف صعبة وشاقة حتى وصلنا دار الميدوب ومن هنا ركبت عربة مرت ببعض مناطق تمركزات المليشيا حتى وصلنا إلى طريق الدبة وخرجنا من تجربة صعبة جداً لذلك كلنا ثقة وعزم وإصرار على العودة لمدينة الفاشر وتحريرها وتعميرها،
سألته أخيراً عن الوضع في طويلة فقال طويلة تقع تحت سيطرة قوات عبدالواحد محمد نور الذي استضاف المواطنين الفارين من مدينة الفاشر حيث تقيم أعداد كبيرة الآن في طويلة كنازحين أما معسكرات زمزم وغيرها فقد دمرت تماماً وتم الاعتداء على النازحين وقتلهم وسقطت فرية حماية الأمم المتحدة للنازحين.
(3)
التجربة القاسية لأبطال الفاشر وراء كل شخص قصة وطرائف واحن ونجاة من الموت باعجوبة ظروف النزوح والاحساس بالهزيمة وتعلق الإنسان بالحياة ومواجهة الموت والطاقة التي تفزرها الغدد في جسم الإنسان لمواجهة مثل هذه الظروف لأنماط مختلفة من البشر بعضهم مرضى بالأمراض المعقدة ولكن كانت معركة سقوط الفاشر عبرة لمن يعتبر ،والآن حان أوان تحرير الفاشر عاصمة إقليم دارفور التي تمثّل رمزية مهمة ومعلم تاريخي ،وقاومت مدينة الفاشر لثلاثة سنوات وكانت حقاً شنب الأسد الذي من يقترب منه حتماً يفترسه ملك الغابات ويشعر كثير من داعمي ومساندي القوات المسلحة بالتقصير والمدينة ظلت محاصرة ولم تنهض همة المقاومة لإنقاذها من فكي المليشيا حتى تعرّضت للتجويع ومن ثم السقوط على طريقة سقوط بابنوسة من بعد ذلك وكادت أن تعيد المليشيا ماحدث في الفاشر بالأبيض لولا هبة القوات المسلحة التي قضت على شوكة التمرّد .
في الفاشر شارك المجتمع الدولي بالتواطؤ مع المليشيا في جرائم التطهير العرقي والابادة الجماعية التي بلغت حد قتل ٤٠٠ مريض في المستشفى الجنوبي بدم بارد وظهور سفاح يطلق عليه ابولولو ارتكب فظائع تم تصويرها وشاهدها كل العالم ولكن لم يحرك ذلك ساكناً وصمتت منظمات الأمم المتحدة ،المنظمات التي تدعي حرصها على حقوق الإنسان وحتى الصوت الإعلامي الذي كان ينقل نبض المدينة عبر قناة الجزيرة معمر قد تم اعتقاله واقتياده إلى سجن دقريس وظل قابعاً هناك منذ عامين ولم نسمع إدانة لذلك السلوك ولا قامت حملة دولية ناهضت اعتقاله. وحتى الاتحاد العام للصحافيين في السودان أسقط معمر من أجندته وواجه مصيره لوحده بيد أن الرجال الذين تلتقيهم في الأفراح والأتراح من أهل دارفور تطمئن لحديثهم بأن الفاشر عائدة كما قال بذلك واليها الحافظ بخيت في حديثه الذي حجبنا بعضه بناءًا على رغبته ولكن يظل التاريخ المكتوب والمحفوظ في صدور الرجال يحدث عن صمود الفاشر ورجالها ونسائها وكثير من الخفايا والأسرار لم يحن بعد أوان البوح عنها.