وليد دليل
خبير مصرفي
خرج رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بتصريحات لافتة في لهجتها، أعلن فيها ما وصفه بالحرب على تجار العملة والوراقين وأصحاب الحسابات والشركات الوهمية، متوعدا بإجراءات مشددة تُضرب بها “بيد من حديد” على من وصفهم بمخربي الاقتصاد الوطني، وذلك في وقت يتواصل فيه تدهور الجنيه أمام العملات الأجنبية إلى مستويات قياسية جديدة عقب قرار تحرير سعر الصرف. وهذه اللهجة الحازمة، على وجاهتها السياسية والشعبية في لحظة يبحث فيها المواطن عن جهة يُحمّلها مسؤولية تآكل قوته الشرائية، تحمل في طياتها مغالطة اقتصادية خطيرة: أنها تعالج عرَض الأزمة بدل جذرها، وتضع السوق الموازية في موقع المتهم الأول بينما يبقى الاختلال الحقيقي كامنا في بنية السياسات الرسمية نفسها.
فتجار العملة والصرافون غير الرسميين ليسوا سببا للأزمة بقدر ما هم انعكاس لها. فحين يجد المواطن والمستورد فارقا معتبرا بين السعر المصرفي المعلن وسعر السوق الفعلي، فإن هذا الفارق نفسه هو ما يخلق حافز المضاربة ويغذي نشاط القنوات غير الرسمية، بصرف النظر عن عدد من تُلاحقهم الأجهزة الأمنية أو تُغلق من مكاتبهم. والتاريخ الاقتصادي السوداني القريب حافل بتجارب مماثلة: حملات تشديد أمني ضد الصرافين تحقق أثرا لحظيا محدودا، ثم يعاود السوق الموازي نشاطه بعد أسابيع قليلة، لأن الحملة عالجت الأعراض الظاهرة للسوق ولم تمس الأسباب البنيوية التي تدفع الجميع، أفرادا وتجارا ومغتربين، إلى تفضيل قنوات خارج النظام المصرفي الرسمي.
فالمعضلة الحقيقية، كما تكشفها قراءة متأنية للمشهد النقدي الأخير، ليست في وجود سوق موازية بقدر ما هي في اختلال أدوات السياسة النقدية ذاتها. فقرار تحرير سعر الصرف، الذي كان يفترض أن ينهي الازدواجية بين السعر الرسمي والموازي، جاء من دون احتياطي نقدي كافٍ يمكّن البنك المركزي من التدخل الفعلي لضبط السوق عند الحاجة، فتحول عمليا من إصلاح منظم إلى إعلان عن سعر تأشيري تبعه ارتفاع إضافي في السوق الموازي بدل الاستقرار المرجو. وهذا يعني أن البنك المركزي يخوض معركة تثبيت سعر الصرف بأدوات ضعيفة الأثر، بينما يُطلب من جهاز أمني موازٍ أن يخوض المعركة نفسها بأدوات لا علاقة لها أصلا بجوهر المشكلة النقدية.
والأدهى من ذلك أن هذا الاختلال النقدي يتقاطع مع غياب واضح للتناغم بين السياسات الاقتصادية للدولة نفسها. فوزارة المالية، المسؤولة عن تمويل عجز الموازنة، لا تزال تعتمد على الإصدار النقدي لتغطية نفقات لا تخضع دوما لرقابة صارمة، وهذا التمويل يضخم الكتلة النقدية المحلية من دون غطاء إنتاجي مقابل، فيغذي التضخم والطلب على الدولار في الوقت نفسه الذي يحاول فيه البنك المركزي كبح هذا الطلب بأدواته المحدودة. وفي الجهة المقابلة، تدير وزارة التجارة ملف الاستيراد بمعزل عن هذا الواقع النقدي، عبر سياسات تعريفة جمركية وتصنيف سلعي لا تراعي دوما مدى توفر النقد الأجنبي الفعلي لتغطية هذه الواردات، وهو ما يخلق ضغطا إضافيا على الطلب على الدولار من قِبل المستوردين الباحثين عن تغطية خارج القنوات الرسمية حين تعجز البنوك عن توفير احتياجهم.
أما ملف الذهب، فهو ربما أوضح مثال على غياب التنسيق بين الجهات الرسمية المعنية بالاقتصاد. فالذهب يمثل أكبر مصدر محتمل لتعزيز احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي، لكن جزءا كبيرا من إنتاجه لا يزال يخرج عبر التهريب بدل العودة إلى القنوات الرسمية، وهذا يعود جزئيا إلى أن أسعار الشراء الرسمية التي تحددها الجهات المعنية لا تنافس عوائد التهريب، وجزئيا إلى غياب حوكمة موحدة تجمع بين وزارة المعادن والبنك المركزي ووزارة المالية في إدارة هذا الملف كاستراتيجية واحدة بدل تعامل كل جهة معه من زاويتها الإدارية الضيقة. وإذا كانت الحكومة جادة في “الحرب” على من يخربون الاقتصاد، فإن أول ساحاتها ينبغي أن تكون توحيد سياسة تسعير الذهب لجعل البيع الرسمي خيارا اقتصاديا مجديا لا خيارا يُفرض بالقانون وحده.
من هذه الزاوية، فإن التصريحات الأخيرة، رغم أنها قد تحقق أثرا إعلاميا مطمئنا للرأي العام في مرحلة يسودها الغضب من تدهور القوة الشرائية، تخاطر بأن تصرف الانتباه عن الإصلاح الحقيقي المطلوب: مواءمة سياسة تمويل الموازنة مع أهداف استقرار سعر الصرف، وتنسيق حقيقي بين وزارة المالية ووزارة التجارة والبنك المركزي في إدارة ملفي الذهب والاستيراد كمنظومة واحدة لا كقرارات متفرقة، وبناء احتياطي نقدي فعلي يمنح البنك المركزي سلطة التدخل التي يفتقدها اليوم. فالإجراء الأمني قد يُخيف تاجر عملة أو يُغلق مكتب صرافة، لكنه لن يُغيّر معادلة العرض والطلب على الدولار التي يحكمها اختلال في صميم السياسات الرسمية للدولة، لا في زاوية شارع يمارس فيها بضعة صرافين نشاطهم غير الرسمي. ومن لا يعالج هذا الاختلال البنيوي، سيجد نفسه، بعد أشهر قليلة، يعلن حربا جديدة على تجار عملة جدد، بينما يبقى السبب الحقيقي في مكانه لم يُمس.
حين تُستبدل السياسة النقدية بالحملة الأمنية: قراءة في تصريحات رئيس الوزراء عن “الحرب على تجار العملة
