اقتصاد الظل الإنساني: حين يُطعم التطوع ملايين السودانيين دون أن يظهر في رقم واحد


وليد دليل
خبير مصرفي
هناك اقتصاد كامل يعمل في السودان اليوم، يشغّل مئات الآلاف من الأيدي، ويطعم ملايين الأفواه، ويسد فجوات صحية وغذائية كان يفترض أن تسدها ميزانية دولة أو منظمة دولية، ومع ذلك لا يظهر في أي كشف حساب قومي، ولا يُحتسب ضمن الناتج المحلي الإجمالي، ولا يملك رقماً موحداً يقيس حجمه الحقيقي. هذا هو اقتصاد التطوع، وهو نموذج فريد لما يمكن تسميته “اقتصاديات المهمشين من الأرقام” لا المهمشين من الناس فقط؛ عمل اقتصادي منتج بكل المقاييس الفعلية، لكنه غائب تماماً عن أدوات القياس التقليدية التي بُنيت أصلاً لرصد الأجر النقدي المدفوع لا الجهد الإنساني المبذول بلا مقابل.
المفارقة الجوهرية هنا أن علم الاقتصاد نفسه يملك أدوات لقياس هذا النوع من العمل، لكنها نادراً ما تُطبق في سياقات كالسياق السوداني. فمنظمة العمل الدولية طوّرت منذ سنوات منهجية “قياس عمل التطوع” ضمن دليلها الخاص، وتوصي الأمم المتحدة بإدراج “الحسابات القمرية” (Satellite Accounts) للمؤسسات غير الربحية والعمل التطوعي كملحق للحسابات القومية، بحيث يُقدَّر ما يعادله هذا الجهد لو دُفع أجراً نقدياً مقابله. هذه الأدوات موجودة نظرياً، لكن تطبيقها يتطلب بنية إحصائية مستقرة ومسحاً دورياً منتظماً، وهو بالضبط ما يفتقده السودان في ظرف الحرب الراهن، فتبقى قيمة هذا العمل الهائل حبيسة التقديرات التقريبية والانطباعات الصحفية بدلاً من أن تحتل مكانها الطبيعي في أي نقاش جاد حول سياسات التعافي الاقتصادي.
الحجم الفعلي لهذا الاقتصاد الموازي يمكن تلمّسه من خلال تجربة غرف الطوارئ، وهي مبادرات شبابية تطوعية لامركزية انبثقت من الحراك المجتمعي السابق على الحرب، ثم توسعت لتصبح شبكة استجابة إنسانية واسعة. فحسب تقديرات ميدانية، تمكنت هذه الغرف خلال عام واحد فقط من الوصول إلى نحو ثمانية ملايين مستفيد داخل السودان، عبر تشغيل مطابخ مجتمعية عرفت باسم “التكايا” ودعم المستشفيات بالأدوية والوقود وتنظيم حملات الإسعاف والإجلاء. وفي شرق النيل وحدها، بلغ عدد هذه المطابخ عند ذروة عملها 219 مطبخاً يعمل بجهد تطوعي بحت قبل أن يتقلص هذا العدد بشكل حاد إثر تجميد أحد مصادر التمويل الخارجي الرئيسية. وهذا التذبذب الحاد في عدد المطابخ بين الاتساع والانكماش، تبعاً لتوفر التمويل الخارجي لا لتغير الحاجة الفعلية، هو في حد ذاته الدليل الأوضح على هشاشة اعتماد شبكة أمان اجتماعي بهذا الحجم على تمويل غير مستقر بدلاً من إدماجها ضمن تخطيط اقتصادي واجتماعي مؤسسي.
القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا الجهد لا تُقاس فقط بعدد المستفيدين، بل بما توفره الدولة والمجتمع من نفقات كانت ستدفع لولا هذا التطوع. فكل وجبة تُطهى في تكية، وكل عملية إجلاء ينفذها متطوع، وكل نقطة مياه يصونها شاب دون أجر، هي في جوهرها الاقتصادي إنفاق حكومي أو إغاثي مُزاح من كاهل الدولة والمنظمات الدولية إلى كاهل المجتمع المحلي. ولو حاولنا تقدير هذه القيمة بمنطق “تكلفة الفرصة البديلة”، أي كم كان سيكلف توفير الخدمة ذاتها عبر عقود تشغيل تجارية أو مقاولين إغاثيين رسميين، لوجدنا رقماً ضخماً يوازي على الأرجح جزءاً معتبراً من الموازنة الإنسانية الدولية المخصصة للسودان، وهو رقم لا يظهر في أي تقرير مالي لأنه ببساطة “غير مُسعّر” أصلاً.
هذا الغياب عن السجلات الرسمية ليس مجرد قصور إحصائي عابر، بل له كلفة سياسية واقتصادية مباشرة. فحين لا تُقاس مساهمة العمل التطوعي في تخفيف الفقر ووصول المساعدات لمستحقيها، تصبح صناعة القرار الإغاثي والتنموي عمياء عن الأداة الأكثر كفاءة وانتشاراً على الأرض، فتُوجَّه الموارد الدولية أحياناً عبر قنوات مؤسسية أبطأ وأعلى كلفة تشغيلية، بينما تظل الشبكات التطوعية اللامركزية، الأقرب فعلياً لمناطق الحاجة والأسرع استجابة لتغيرها، تعمل بموارد شحيحة وغير مستقرة رغم إثباتها كفاءة تشغيلية لافتة. والأخطر من ذلك أن غياب القياس يجعل هذا القطاع عرضة لتقلبات حادة في وجوده ذاته؛ فحين ينسحب مصدر تمويل خارجي واحد، كما حدث مع تجميد الدعم الأمريكي الذي أدى إلى إغلاق أغلب مطابخ شرق النيل، ينهار جزء من شبكة الأمان الاجتماعي بين ليلة وضحاها، دون أن يكون هناك مؤشر رسمي مسبق ينبّه إلى هذه الهشاشة لأن القطاع أصلاً غير مرصود ضمن أي نظام إنذار اقتصادي مبكر.
من الإنصاف الإشارة أيضاً إلى أن العمل الإنساني في سياقات النزاع المسلح، في السودان كما في غيره، لا يخلو من مخاطر التسييس؛ إذ توثّق الأدبيات الإنسانية الدولية ظاهرة معروفة تُعرف بـ”تسييس المساعدات”، حيث تحاول أطراف النزاع المختلفة توظيف العمل الخيري لتحقيق مكاسب في الشرعية الاجتماعية أو التأثير على الرأي العام. هذا خطر حقيقي يستحق رقابة مستقلة وشفافية في مصادر التمويل وآليات التوزيع، لكنه خطر يُعالَج بالتدقيق والمساءلة المؤسسية لا بتجريم الفعل التطوعي ذاته أو الأفراد العاملين فيه، فالغالبية الساحقة من هذا الجهد، كما تُظهر تجربة غرف الطوارئ التي رُشحت لجائزة نوبل للسلام تقديراً لحيادها الإنساني، يظل عملاً مجتمعياً تلقائياً بعيداً عن أي حسابات سياسية.
أن السودان يملك اليوم نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً فريداً يستحق أن يُدرس بجدية أكاديمية ومؤسسية، لا أن يُترك في هامش التغطية الإعلامية العاطفية. فبناء آلية وطنية، ولو أولية، لرصد وتقدير قيمة العمل التطوعي وأثره في تخفيف الفقر وسد الفجوة الغذائية والصحية، لم يعد ترفاً إحصائياً، بل ضرورة لصناعة قرار إنساني واقتصادي رشيد يعرف أين تكمن الكفاءة الحقيقية على الأرض، ويحمي هذا الاقتصاد الخفي من أن يبقى رهينة تقلبات التمويل الخارجي وحده.