وليد دليل
خبير مصرفي
يحمل إعلان وزير الدولة بوزارة المالية المستشار محمد نور عبد الدائم عن إطلاق منصة إلكترونية لإدارة الهيئات والشركات الحكومية دلالة تتجاوز كونه خطوة تقنية روتينية، إذ يأتي في قلب مسار تفاوضي حساس يخوضه السودان مع صندوق النقد الدولي لاستكمال إعفاء ديونه ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون. فحين يربط وزير الدولة صراحة بين برنامج إصلاح شركات وهيئات القطاع العام والتزامات الدولة في ملف إعفاء الديون، فإنه لا يتحدث عن أداة إدارية داخلية بقدر ما يتحدث عن شرط دولي واجب الاستيفاء، إذ سبق لوزارة المالية أن أوضحت أن تطبيق المعايير المحاسبية الدولية للقطاع العام يمثل خطوة أساسية لتعزيز الشفافية والإفصاح المالي واستعادة اندماج السودان في النظام المالي العالمي، وهو ما يجعل من المنصة الجديدة أداة تنفيذية لالتزام تعهدت به الدولة أمام الدائنين والمؤسسات الدولية لا مجرد مبادرة تطويرية معزولة.
أهمية المنصة تتضح أكثر حين نضعها في سياق حجم الأزمة التي تعاني منها الشركات الحكومية السودانية. فقد كشف الاجتماع الموسع الذي عقده وزير الدولة عن مناقشة أوضاع الشركات المتعثرة تحديداً، بجانب مقارنة الموازنات الجارية بموازنتي عامي 2025 و2026، وهو ما يعكس أن غياب نظام موحد لإدارة بيانات هذه الكيانات كان يحول دون تكوين صورة دقيقة عن أدائها المالي والتجاري. فبدون قاعدة بيانات مركزية تتكامل مع الأنظمة المالية للدولة، تبقى عملية تقييم الأداء ومساءلة الإدارات وضبط عمليات الشراء والتعاقد رهينة تقارير متناثرة وغير متسقة، وهو بالضبط ما يفسر إصرار وزير الدولة على تمكين المراجعين والمراقبين الماليين قبل إجازة أي موازنات جديدة، باعتبار ذلك الضمانة العملية لتفعيل ولاية وزارة المالية على المال العام لا مجرد شعار إداري.
المساهمة الاقتصادية لهذه المنصة يمكن قراءتها على مسارين متكاملين. المسار الأول مباشر ويتعلق بتعظيم الإيرادات عبر ربط المنصة بملف التحصيل الإلكتروني الذي وُصف بأنه أداة أساسية لهذا الغرض، إذ إن ضبط الأداء المالي لشركات القطاع العام وتوحيد نظام الشراء والتعاقد يقلص الفاقد الناتج عن سوء الإدارة أو غياب الرقابة، ويحول هذه الكيانات من عبء صافٍ على الخزينة العامة إلى مصدر محتمل للإيراد أو على الأقل مصدر أقل استنزافاً لها. والمسار الثاني غير مباشر لكنه أكثر استراتيجية، ويتمثل في أن هذا النوع من الإصلاحات المؤسسية يشكل جزءاً من الشروط الهيكلية التي يقيّم صندوق النقد الدولي والدائنون الدوليون على أساسها جدية السودان في مسار إعفاء الديون. وهنا يصبح للمنصة قيمة تتجاوز حدود الأداء المالي الداخلي، إذ إن الدين العام السوداني الذي بلغ نحو 147% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 والمتوقع أن يتراجع تدريجياً إلى نحو 124% في 2026 و106% في 2027 وفق تقديرات البنك الدولي، لا يمكن أن يستمر مساره التنازلي دون أن تقترن مبادرات الإعفاء الدولي، التي شملت حتى الآن إلغاء فرنسا لديون بنحو خمسة مليارات دولار والنرويج لأربعة مليارات ونصف المليار وتعهد السعودية بمبلغ مماثل، بإصلاحات داخلية موازية تطمئن الدائنين إلى أن الأموال المفرج عنها والموارد المحلية المحصلة تُدار بشفافية.
أما استشراف المستقبل، فيتوقف إلى حد بعيد على قدرة الوزارة على تجاوز المرحلة الإعلانية إلى التطبيق الفعلي، وهو ما لمّح إليه تأكيد وزير الدولة على أن تعميم المنصة على الولايات سيأتي لاحقاً، أي أن التجربة تبدأ مركزية قبل أن تتوسع جغرافياً، وهو نهج منطقي يتيح اختبار النظام ومعالجة عيوبه قبل تعميمه على بنية إدارية أكثر تعقيداً وأقل تجانساً في الولايات. كما أن الإعلان عن اجتماعات دورية تشمل كافة الشركات والهيئات، إلى جانب مناقشة تعديلات مقترحة على قانون الشركات تتعلق بولاية وزارة المالية على المال العام، يشير إلى أن المنصة ليست مشروعاً تقنياً منعزلاً بل جزء من إطار تشريعي ومؤسسي أوسع يجري بناؤه بالتوازي. نجاح هذا المسار سيُقاس عملياً بمدى قدرة المنصة على إنتاج بيانات موحدة وموثوقة يمكن الاستناد إليها في قرارات إعادة الهيكلة، وبمدى التزام مجالس الإدارات المعاد تشكيلها بالانضباط المؤسسي المطلوب، لا بعدد الاجتماعات التي تُعقد أو البيانات الإعلامية التي تصدر عنها.
