كيف كسبت أبوظبي واشنطن؟ رحلة التحول الاستراتيجي الإماراتي


تقرير: عثمان عبدالهادي


تطورت العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية بصورة جذرية خلال العقدين الماضيين، متحولة من مرحلة اتسمت بالشكوك الأمنية والسياسية إلى شراكة استراتيجية كبرى. ولم يأتِ هذا التقارب مصادفة، بل كان نتاجاً لخطط دقيقة ومدروسة أعادت صياغة مكانة أبوظبي كأحد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، وسط تحديات إقليمية ودولية متسارعة ومعقدة.
■ نقطة التحول
شكّلت أزمة محاولة شركة موانئ دبي العالمية الاستحواذ على إدارة عدد من الموانئ الأمريكية عام 2006، منعطفاً حاسماً في مسار العلاقات الثنائية. فقد أثارت الصفقة اعتراضات واسعة داخل الكونغرس الأمريكي، ما دفع القيادة الإماراتية، بقيادة الشيخ محمد بن زايد، إلى تبني رؤية استراتيجية جديدة تهدف إلى تصحيح المفاهيم السائدة، وبناء جسور قوية من الثقة والتفاهم مع مراكز صنع القرار في واشنطن، عبر قنوات دبلوماسية فاعلة.
■ عرّاب الدبلوماسية
لعب السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبة، دوراً محورياً ومباشراً في هندسة هذا التقارب منذ عام 2008. ونجح العتيبة، مدعوماً بشبكة واسعة من العلاقات مع النخب السياسية وأعضاء الكونغرس ومراكز الأبحاث، في تقديم صورة مختلفة للإمارات، ونقلها من دولة تواجه التشكيك إلى شريك موثوق ومحوري يحظى باهتمام مختلف الدوائر السياسية الأمريكية.
■ القوة الناعمة
استثمرت أبوظبي بكثافة في أدوات القوة الناعمة، وأنفقت مبالغ كبيرة على أنشطة العلاقات العامة وتنظيم الفعاليات ودعم مراكز الأبحاث في العاصمة الأمريكية. وأسهمت هذه الجهود المستمرة في تعزيز الحضور الإماراتي داخل دوائر صنع القرار، وخلق مناخ أكثر دعماً للتعاون المشترك، فضلاً عن المساعدة في تجاوز عدد من العقبات السياسية والتشريعية التي كانت تعترض إبرام اتفاقيات استراتيجية حساسة بين البلدين في مجالات مختلفة.
■ اتفاقات أبراهام
مثّل توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020 محطة بارزة في مسار العلاقات الإماراتية الأمريكية، إذ منحت أبوظبي حضوراً ونفوذاً إضافيين داخل دوائر صنع القرار العليا في الولايات المتحدة. ولم يقتصر أثر هذه الخطوة على الجانب السياسي، بل فتح آفاقاً أوسع للتعاون الأمني والعسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وعزز موقع الإمارات بوصفها شريكاً إقليمياً مهماً بالنسبة إلى واشنطن.
■ ثورة التكنولوجيا
شهدت الشراكة الإماراتية الأمريكية نقلة نوعية نحو التعاون في قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات. ومن خلال صناديق استثمارية كبرى، بينها «مبادلة» و«MGX»، ضخت الإمارات استثمارات ضخمة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة بالولايات المتحدة، ما عزز موقعها كشريك اقتصادي مؤثر في الاقتصاد الرقمي، رغم الجدل السياسي الذي أثارته بعض هذه الاستثمارات داخل واشنطن.
■ تقلبات إقليمية
واجهت السياسة الخارجية الإماراتية اختبارات صعبة، خصوصاً مع تصاعد التوترات والصراعات في المنطقة، بما في ذلك التحديات المرتبطة بإيران. ورغم تعرض الإمارات لهجمات وضغوط إقليمية، أظهرت أبوظبي مرونة في إدارة علاقاتها الخارجية وحماية مصالحها، وعملت في الوقت نفسه على تعميق ارتباطها الاستراتيجي بواشنطن، بما عزز موقعها كقوة إقليمية فاعلة ومؤثرة.
■ حسابات المستقبل
تواصل الإمارات توسيع نطاق شراكاتها الدولية والإقليمية، مستندة إلى مقاربة براغماتية تجمع بين المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. ومع استمرار النقاش داخل الأوساط الأمريكية بشأن طبيعة هذه العلاقات وتداعياتها، تبدو أبوظبي حريصة على تثبيت موقعها كلاعب رئيسي في المنطقة، والاستفادة من شبكة شراكاتها الدولية للمشاركة في صياغة مستقبل الأمن والتنمية في الشرق الأوسط.