حديث السبت
يوسف عبد المنان
وقائع حرب دار الريح بكردفان
جراح الجنرال مبارك زكريا بالدي تشفي جروح الوطن
تفاصيل دقيقة عن معركة أم عردة
هل دفعت المليشيا بآخر قوات احتياط لها في عمليات كردفان؟
(1)
صباح الخميس يشهد هدوء قبل طلوع الشمس في أمدرمان وسكون رياح الخريف التي ترفد الجسد بدعاش المطر بيد أن هذا العام يشهد مقدّمات لعام تتلازم فيه ثنائيه الحرب والجوع ولم يدم سكون الفجر طويلاً، إلا وسُمعت أصوات المضادات الأرضية تسقط مُسيّرات الجنجويد التي جاء بها تجار الحرب الجلابة من تل أبيب لقتل أهل السودان ومع زخات مطر الصعيد وتكاثف الطيران المُسيّر القادم من العمق الإثيوبي والقوات البرية من دولتي إثيوبيا وجنوب السودان تقهقر الجيش وأبطال الفرقة الرابعة الدمازين خارج الكرمك لبدء معركة جديدة وخسرت قواتنا معركة الكرمك بعد أن غطى المطر على المدينة وتعثّر فرض غطاء جوي لتتصدي القوات لهجوم آبي أحمد على الكرمك التي لم تعرف الاستقرار منذ سنوات طويلة تسقط وتستردها القوات المسلحة ثم تسقط لتعود .
ولكن في ذات التوقيت كانت مليشيا الجنجويد قد حشدت “٢٥٠” عربة ومصفحة هي آخر قوة احتياطي كانت تتمركز في نيالا واتجهت هذه القوة في جنح الليل نحو مدينة جبرة الشيخ التي بدأت تتنفس دعاش الخريف بعد أن تجاوزها موسم الزراعة واتجهت قوة أخرى من فلول الجنجويد من المزروب والحاج اللين باتجاه بارا ولكن رمت بها خطاها في حقول ألغام أرضية وسرب من الطيران الحديث ولم تقاتل القوة إلا ساعة وتركت “٥٠” عربة مدمرة في الرمال
وكانت واقعة جبرة الشيخ قد سطّرت تاريخ لم يكتب بعد ودونت جراح مبارك زكريا الجنرال الشاب في القوات المشتركة والذي أُصيب في جبهته والدم يغطّي الوجه النضير والابتسامة أمام الموت وجراح جسد مبارك زكريا من أجل شفاء جراحات الوطن وتبدّت شجاعة هذا الجنرال وهو يقاتل والدم يتقطّر من جبينه ويرفض تلقي الاسعافات ويحرّض جنوده الكواسر على القتال وأثناء مطاردة المليشيا التي لو استفاد السودان من خاماتها في سباقات الضاحية والالمبياد لتقدم على السودان بطلاً من جامايكا أو إثيوبيا أو الأوروغواي وهذه الدول اشتهرت بالفوز بسباقات الضاحية ومسابقات الالف متر نظراً لطبيعة جغرافيا تلك البلدان وهي ترتفع عن الأرض بالالف متر أو خمسة آلاف متر وبالتالي تقل نسبة الأكسجين وخلق رب العباد الناس هناك وخلق لهم رئة كبيرة حتى يتنفس الإنسان الذي أنعم الله عليه نعماً ظاهرة وباطنة لاتُعد ولاتُحصى والجنجويد يطلقون أرجلهم وتفشل أحياناً سيارات التايوتا في اللحاق بهم وهم مهرولون أمام كواسر المشتركة وقد بثت مقاطع فيديو للبطل القومي والفارس زكريا والدم ينزف ولسبب غير معلوم تنقلب عربته ويسقط على الأرض وينهض مسرعاً ليمتطي عربة أخرى ويمضي في خوض معركة جبرة الشيخ التي تقع في عمق دار الريح وليس في عمق دارفور والبطل القومي مبارك زكريا يكتب بدمه الذي سال وحدة بلد لن تنقسم وغير قابلة للإصغاء لأصوات مثل العنصري المغرور عمسيب وحياة عبدالملك وثالثهم عسكوري الذي انقلب من ثوري وحدوي لانفصالي لايستحي من الدعوة لفصل دارفور ورغم ذلك يكافأ عسكوري بمنصب رفيع في أكبر شركات القوات المسلحة وحول كرسي عسكوري تتساقط الجنيهات والدولارات بينما فرسان المشتركة يدفنون في رمال كردفان أحلام آل دقلو للعودة لأمدرمان ويتم وأد خطة حميدتي في مهدها باستعادة الخرطوم التي مشي فيها ظهر الخميس البرهان في ردهات القصر زهوا وتبختراً، واعتمد أوراق سفراء من بينهم سفير الرياض الجديد الذي يتوق السودانيين أن لايكون مثل من سبقه .
ولكن دلالات الحدث لم تجد حظها من التحليل والقراءة ولا حتى وقائع يوميات الحرب في دار الريح التي جافتها الأمطار وسالت الدماء في خيرانها وبللت رمالها بدلاً عن أمطار الضحى في عِينة الطرفة البكاية التي تنتهي بعد غد الاثنين وقد مرت هذا العام مثل كل غيمة خريف بلا مطر إلا مطر القوات المشتركة على رؤوس الجنجويد قبل وثبة العبور المنتظرة لإقليم دارفور
لكن السؤال لماذا أقدمت المليشيا على هذا الهجوم الانتحاري؟.
منذ تحرير جبرة الشيخ التي أوجعت قادة المليشيا وأصابتهم بدوار التهاب الأذن الوسطى أخذ حميدتي على عاتقه استنفار كل قوات الاحتياط في نيالا والضعين وكتم وسرف عمره وأشرف حميدتي وعثمان عمليات علي إعداد وتجهيز القوة لإعادة احتلال جبرة الشيخ وأم قرفة والأبيض و بالنظر لحجم القوة التي قادها المتمرد الشهير بدابي الليل التي هاجمت جبرة الشيخ تتكون من “٢٥٠”عربة منها مائة مصفحة وأكثر من عشرين راجمة ودبابة وخلال ثلاثة ساعات استطاعت القوات المسلحة وفرسان زكريا بالدي القضاء على نخبة قوات المليشيا وآخر مافي جعبتها وانكسر عنقها في كجمر وتم تدمير “٨٦” عربة والاستيلاء على “٦٠” عربة جديدة بكامل سلاحها وهناك عدد آخر ضرب بمُسيّرات القوات المسلحة لم يُحص بعد ،فهل تستطيع المليشيا قريبا إعداد قوة مماثلة أم تنتظر الأربعة آلاف من الفور التي وعد بها الشرتاي إبراهيم عبدالله والعشرة آلاف التي تعهد بها نظار الرزيقات والبني هلبة والترجم.
(2)
إذا كان الخميس هو من أيام المشتركة التي فعلت بالجنجويد مالم يفعله بهم فرسان النيل الأزرق فإن يوم أمس الجمعة كان يوما عبوساً على الجنجويد الذين اختاروا يوم احتفال القوات المسلحة بعيدها السنوي وظن قادة الجنجويد وبعض الظن سذاجة أن الجيش في شغل عن ثغور مدينة الأبيض ومنذ الساعة الخامسة صباحاً بدأ الهجوم على منطقة أم عردة الواقعة جنوب غرب الأبيض وجبل الهشاب الذي يبعد “١٧” كيلو عن حي الصالحين وهذه القوة أغلبها من الحوازمة والمسيرية وتحركت القوة من الفولة ومن خشم الوادي جنوب شرق الدبيبات وهولاء يمتطون الدرجات البخارية وعددها حوالي “٤٠٠” موتر تم توزيعها على الجنجويد الاسبوع الماضي بشروط إذا انتصر ودخلت القوة الأبيض كل غنيمة وحصيلة نهب للجنجويد وتمليك الموتر حتى في حال الهزيمة التي لم يتوقعها أحد وحشدت المليشيا عدد “١٨٠” عربة منها “٨٠” مصفحة وكانت قوات الفرقة الخامسة الهجانة في الموعد وبتخطيط ماكر تم إيقاع القوة المهاجمة في خليج نيران لم يخرج منه إلا من هرول مُسرعاً واستطاع التفوق في سرعته على السيارة اللاندكروزر وقديما في زمن الصبا انتشرت أغنية لبنات البديرية تعرف بالدلوكة الربة وتغنت لرجل سرق متجراً وهو ينتعل حذاء كان يُعرف وقتها بالدبابة تقول الأغنية الشعبية (الولد دا كسر الدكان ونسي الدبابة وطلع القيزان وبقي برينسة وسبق النيسان).
وقد سبق الأشاوس يوم أمس عربات العميد حسين جودات الذي بظهوره ارتفعت الهتافات وسط جنود الهجانة وقد مُنيت المليشيا بهزيمة أخرى في كردفان بعد يوم جبرة الشيخ وتم تدمير “٦٠” عربة بالكامل في أم عردة وتم الاستيلاء على أربعين عربة بمدافعها ومع هروب الجنجويد الذين اتبعوا طرق وعرة وفي جنح الظلام حاولت المليشيا الهروب بذات الطرق باتجاه السعاتة وقليصة ولكن عدد كبير جداً من العربات سقطت في خور السكيران ووادي الكركرة كنانة وبدأ الطيران حصاد الفئران ظهر أمس وحتى حلول الظلام تم تدمير جميع تناكر الوقود وأكثر من خمسين عربة أما المواتر فقد تم إبادة عدد كبير جداً منها وهرب الباقين باتجاه الدبيبات والحمادي بعد هلاك قادة القوة جميعاً.
السؤال هل تستطيع المليشيا مهاجمة الأبيض مرة أخرى؟ بدا جليا أن واقع المليشيا الآن يشير لانهيار كبير جداً ونضوب في المورد البشري وقلة وقود للسيارات التي تقطع مسافات بعيدة جداً حتى مسرح القتال في كردفان.
والمليشيا قدرت بأن المعركة النهائية لها ليس في تخوم نيالا والضعين إنما في الأبيض والنهود وسودري وحمرة الشيخ وأم بادر والدبيبات والفولة لأن وصول الجيش إلى دارفور من شأنه تضييق الخناق على المدن التي تصبح في مرمى نيران مدفعية الجيش التي استخدمت لأول مرة يوم أمس الجمعة وحصدت الجنجويد كما تحصد الآلة القصب الجاف بمزارع سمسم بالقدمبلية.
(3)
إن مسار العمليات العسكرية الجارية الآن يشير بوضوح إلى تفوق كبير للجيش وتكويناته على الأرض وتفوقاً في سماء السودان رغم تحييد السحب لنشاط الطيران المسير ولكن على الأرض بدا التفوق كبيراً جداً وقد أثبتت قوات الهجانة في عمليات أم عردة وجبل الهشاب أن جيشاً بهذه البسالة والتخطيط يصعب التفوق عليه مهما حصلت المليشيا على السلاح من كل أنحاء الدنيا.
