حين يتكلم الذهب تتحدث الإنجازات

حين يتكلم الذهب تتحدث الإنجازات
مصطفى عبدالعزيز البطل

في وقتٍ يطغى فيه الخطاب الإعلامي السالب على تناول أداء مؤسسات الجهاز التنفيذي، يصبح من الإنصاف أن تحظى التجارب الناجحة بما تستحقه من اهتمام، فالاعتراف بالإنجاز لا يعني التغاضي عن أوجه القصور، بل أنه يُرسّخ ثقافة الأداء والمساءلة، ويحفّز على تطوير أجهزة ومؤسسات الدولة وتعزيز كفاءتها.

ومن هذا المنطلق استوقفني تقرير عن أداء الشركة السودانية للموارد المعدنية خلال النصف الأول من عام 2026، وقعت عليه بمحض الصدفة في إحدى مجموعات “الواتساب”، بعدما تفضل أحد رجال الأعمال الشباب المهتمين بقطاع التعدين بمشاركته.

ولم تكن الأرقام أو النتائج أول ما لفت انتباهي، بل المستوى المهني الرفيع الذي صيغ به التقرير؛ من حيث سلامة اللغة، ودقة العرض، وحسن التنظيم، والاستخدام الرصين للمصطلحات الاقتصادية والإدارية، بما يعكس عملاً مؤسسياً احترافياً يستحق التقدير.

ويكشف التقرير عن أداء متميز في تحقيق مستهدفات الإنتاج والصادرات، تزامناً مع الارتفاع العالمي في أسعار الذهب، إذ بلغت حصيلة صادرات الذهب خلال النصف الأول من العام نحو 1.6 مليار دولار، ليواصل الذهب تصدره لقائمة الصادرات السودانية، مؤكداً مكانته بوصفه أهم مصدر للنقد الأجنبي في البلاد، وأحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني في هذه المرحلة.

غير أن التقرير لم يكتف بعرض النجاحات، بل نظر إلى المستقبل بواقعية ومسؤولية. فقد أشار، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلى أن قطاع التعدين لا يزال يواجه تحديات هيكلية تستدعي معالجات استراتيجية، وفي مقدمتها تنظيم التعدين الأهلي وتقنينه، وتحويله تدريجياً إلى نشاط أكثر كفاءة واستدامة. ويتطلب ذلك شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، تقوم على التدريب والتوعية، ورفع الكفاءة الفنية للمعدنين، بما يسهم في زيادة الإنتاجية وتعظيم العائد الاقتصادي، بالتوازي مع تبني برامج أكثر فاعلية للحد من الآثار البيئية للتعدين العشوائي.

ومن أبرز ما يحسب للشركة نجاحها في الحفاظ على الانضباط المالي وترشيد الإنفاق التشغيلي، رغم التحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، إلى جانب تنفيذ خطة لإعادة الهيكلة الإدارية عززت اللامركزية ومنحت الإدارات الإقليمية مساحة أوسع لاتخاذ القرار. كما أسهم التوسع في التحول الرقمي في رفع كفاءة الأداء، وهي خطوات تعكس إدارةً تنفيذيةً تدرك أن التطوير المؤسسي لا يقل أهميةً عن زيادة الإنتاج وتعظيم الإيرادات، بل يمثل الأساس الذي يضمن استدامة الإنجاز ورفع كفاءة الأداء على المدى الطويل.

ولعل أكثر ما يمنح هذا التقرير قيمته ومصداقيته أنه لم يقتصر على إبراز النجاحات، بل تناول أيضاً جوانب القصور والتحديات البيئية والأمنية والتنظيمية بروح من الموضوعية والاتزان، بعيداً عن لغة الدعاية أو التبرير. ولذلك يمكن اعتباره نموذجاً جيداً للتقارير المؤسسية التي توازن بين الاحتفاء بالإنجاز والاعتراف بالتحديات، وتؤسس لثقافة مؤسسية تقوم على الشفافية والتقييم المستمر.

وفي زمن تشتد فيه حاجة السودان إلى مؤسسات عامة فاعلة وقادرة على تحقيق نتائج ملموسة، فإن ما حققته الشركة السودانية للموارد المعدنية يستحق التقدير والإشادة. ومن ثم، فإن قيادة الشركة وإدارتها والعاملين فيها يستحقون كلمة شكر على ما أُنجز، مع التطلع إلى أن يشكل هذا النجاح محطة جديدة في مسيرة بناء قطاع تعدين أكثر تنظيماً وكفاءة واستدامة، وأكثر إسهاماً في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز موارده.