سياسة حظر الاستيراد : خطوة جريئة ام مخاطر اقتصادية .

رأى اقتصادي

سياسة حظر الاستيراد : خطوة جريئة ام مخاطر اقتصادية .

بقلم :
د. على الله عبد الرازق على الله .

خبير اقتصادي و مالي.

١
تأتي خطوة قرار مجلس الوزراء و وزارة الصناعة مؤخرا بحظر استيراد اربع و ثلاثون سلعة فى سياق أزمة النقد الأجنبي التي ظل الاقتصاد السوداني يعاني منها لفترة طويلة من الوقت ،حيث فقد سعر صرف الجنيه السوداني نسبة كبيرة من قيمتة خلال الفترة الأخيرة ، بسبب الارتفاع المتزايد على الطلب من النقد الأجنبي نتيجة ضعف مساهمة قطاع الصادر فى توفير نقد اجنبي لمقابلة الطلب على الواردات و تراجع القدرات الإنتاجية للقطاعات الإقتصادية المختلفة لمقابلة الطلب المتزايد من الاستهلاك ….
٢
من جهتها أكدت الحكومة ان هذا القرار جاء لتقليل الاستيراد للسلع الغير ضرورية ،و بالتالي تقليل الطلب المتزايد على العملات الأجنبية، و تحسين الميزان التجاري ، فمن هذه الناحية يمكن اعتبار هذا القرار خطوة ايجابية تصب فى صالح توفير موارد من النقد الأجنبي ، توجه حقيقي نحو دعم الصناعات الوطنية و تعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي..
٣
القرار بهذه الكيفية يثير اسئلة عديدة حول تحقيقة للمصالح الاقتصادية المتوقعة منه فى الأجل القصير . غير ان فعالية هذا القرار لتحقيق اهدافة تظل مرهونة بتوفر بدائل محلية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلي.. هنا يبرز سؤال، هل القطاعات الإنتاجية الحقيقية لها القدرة على تغطية الطلب على هذه السلع الأربعة و ثلاثون المحظورة بالقرار ،و مدى جاهزية البيئة الإنتاجية المحفزة للصناعات و السلع البديلة..
٤
من ناحية أخرى، كان ينبغي أن لا يمس قرار الحظر قائمة بعضا من السلع الأساسية التي تمثل احتياجات ضرورية لشرائح واسعة من المواطنين كالازر و الصلصة و مواد البناء و غيرها ، حيث تشير التقديرات الي وجود فجوة كبيرة فى انتاج هذه السلع الأساسية محليا ، مما يتطلب استيراد كميات كبيرة منها لسد العجز ، بالتالي فإن حظر استيرادها دون توفر بدائل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها محليا و تفافم الاعباء المعيشية للمواطنيين..
٥
من جهة أخرى ، يلاحظ أن قيمة هذه الواردات للسلع المحظورة مجتمعة لا تتعدى في المتوسط مائتان مليون دولار مقارنة بمبلغ ستة مليار دولار قيمة الواردات الكلية ،و بالتالي لا يتوقع أن يكون لهذا القرار تأثير إيجابي فى تحسين سعر الصرف و ايقاف تدهور قيمة الجنيه السوداني بهذه السلع المحدودة …
٦
ان قرار الحظر للسلع بهذه الطريقة يتعارض مع المادة إحدى عشر من الاتفاقية العامة للتجارة و التعريفات المنظمة لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية، و فى الظن ان هذا التحدي قطعا سيكون له تأثير سلبي على قبول عضوية السودان فى المنظمة و قد يحدث تجميد لاي مفاوضات للانضمام لمنظمة التجارة العالمية مستقبلا ..
٧
من ناحية أخرى، فيما يتعلق بحظر بعض مواد البناء و التشييد ، فإن حظر استيرادها فى وقت تشهد فيه العديد من الولايات و العاصمة عمليات إعادة اعمار واسعة لما دمرتة الحرب ، فإن مثل هكذا قرار قد يؤدي إلى فجوة في سلاسل الإمداد و ارتفاع كبير فى اسعار هذه المواد محليا ، في ظل ضعف و غياب الإنتاج المحلي بالكميات الكافية الذي يغطي السوق المحلي ، كما هو معلوم فإن صناعة مواد البناء ظلت تواجه تحديات كبيرة فى الآونة الأخيرة من نقصا كبيرا فى الطاقة و شح الوقود و المواد الخام و تراجع الكوادر الفنية اللازمة بسبب النزوح و اللجؤ و غيرها …
٨
لا يمكن اغفال الآثار الاقتصادية الأخرى لهذا القرار ، التي قد يمتد تأثيرها الي سلاسل الإمداد المرتبطة بعمليات الاستيراد ، بما فى ذلك أنشطة التخزين و التوزيع و النقل و التخليص الجمركي و غيرها و ذلك بالتقلص و عدم الاستدامة لهذه الأنشطة التجارية …
٩
إن تقليص الواردات بهذه الصخامة للسلع قد ينطوي على آثار انكماشية على الناتج المحلي الإجمالي، و ذلك نتيجة التحليل الخاطئ بأن اختلال الميزان التجاري هو المفسر الوحيد لتحركات سعر الصرف ، معلوم بالضرورة أن الانخفاض افى سعر الصرف المتواصل في الفترة الأخيرة هو نتيجة طبيعية لاثار الحرب و الصدمات الخارجية التي تعرض لها الاقتصاد السوداني فى العقود الأخيرة . ….
١٠

ان نجاح سياسات حظر الاستيراد للسلع يتطلب تبني حزمة متكاملة من الإجراءات و التدابير و السياسات الاقتصادية ،قد تشمل دعم الإنتاج المحلي عبر توفير التمويل ،و تحسين بيئة الأعمال ، و تطوير البنية التحتية َ غيرها الإجراءات ، هذا الي جانب اتباع التدرج في تطبيق مثل هذه السياساتََ ، بما يضمن عدم حدوث صدمات و ارتباك في السوق الداخلي .. عليه فإن إجراءات حظر الاستيراد لا ينبغي التعامل معها كاجراء معزول عن باقي العوامل الأخرى ، بل يجب أن يأتي ذلك ضمن سياق أوسع من السياسات الاقتصادية الكلية الداعمة…
عليه، فإن حظر الاستيراد فى ظل غياب البدائل و الدعم الانتاحي اللازم قد يتحول من اداة للإصلاح الاقتصادي الي عبء و مصدر جديد للضغوط المعيشية للمواطنين .. معلوم أن سياسات حظر الاستيراد المطبقة مسبقا فى السودان ،لم تتمكن من معالجة مشكلة سعر الصرف ، فى ظل اقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية و بنيوية ملازمة له منذ عقود طويلة ،بالتالي فإن سياسات الحظر المفروضة لا تعني عدم ظهور السلع و الطلب عليها يقل ،بل يعني تحولها الي قنوات غير رسمية كالسوق السوداء و اتساع التهريب لهذه السلع مادام هناك طلب عليها ، بل على العكس قد يكون لها انعكاس سلبي على مؤشرات الاقتصاد الكلي و ذلك من خلال تقليل العائدات المالية الحكومية كالرسوم الجمركية و الضرائب و غيرها ..