إغتيال البرهان
الصادق محمد احمد
رغم أن التاريخ يتذكر الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس كأحد أعظم القادة والفلاسفة الذين حكموا روما، إلا أنه لم يكن في سنوات حكمه الأخيره يواجه فقط الأعداء على حدود الإمبراطورية، بل كان ايضاً يواجه التآكل الداخلي للدولة بسبب ضعف من حوله ، كثير من المؤرخين يرون أن أخطر ما واجهه لم يكن العدوان الخارجي بل كان القرارات الخاطئة والبطانة الضعيفة وسوء تقدير الرجال الذين أُُحيط بهم في مراحل حساسة من عمر الدولة.
هذه الفكرة ليست حادثة معزولة في التاريخ، بل تكاد تكون قانوناً سياسياً متكرراً ،فكثير من القادة الذين نجحوا في عبور الحروب والأزمات الكبرى إنتهى بهم الأمر إلى خسارة صورتهم التاريخية بسبب المحيطين بهم، لا بسبب خصومهم المباشرين، ولهذا فإن أخطر أنواع الإغتيال للقائد هو الإغتيال المعنوي والسياسي البطيء الذي يحدث عندما يتحول إلى واجهة تحيط بها شخصيات ضعيفة، أو غير مؤهلة، أو عاجزة عن فهم حساسية اللحظة التاريخية التي تمر بها الدولة.
يبدو هذا السؤال مطروحاً بقوة هذه الأيام حول رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، ليس بإعتباره قائداً عسكرياً فقط، بل باعتباره الشخصية التي إرتبط اسمها بواحدة من أخطر المراحل في تاريخ الدولة السودانية الحديثة، فسواء إتفق الناس معه أو إختلفوا حول كثير من الملفات السياسية، يبقى واقعياً أن الرجل قاد الدولة خلال لحظة انهيار غير مسبوقة، وخاض معركة وجودية ضد مليشيا مسلحة كادت أن تبتلع الدولة ومؤسساتها ،وبالنسبة لقطاع واسع من السودانيين أصبح البرهان رمزاً لصمود الدولة في لحظة كادت فيها مؤسساتها أن تنهار بالكامل، فقد كانت الحرب مع مليشات الدعم السريع المتمردة لحظة فارقة في تاريخ السودان ليس فقط بسبب حجم الدمار والقتل والنزوح الذي تسببت فيه، بل لأنها وضعت كيان الدولة السودانية نفسها على المحك. في مثل هذه اللحظات تتشكل الصور التاريخية للقادة، ليس فقط من انتصر عسكرياً، بل من استطاع الحفاظ على بقاء الدولة ومنع انهيارها الكامل وكانت القوات المسلحة وقيادتها على قدر هذا التحدي.
لكن المشكلة التي بدأت تظهر تدريجياً بعد دحر التمرد كانت في الطريقة التي تُدار بها الدولة سياسياً وإدارياً وإعلامياً، فالكثير من السودانيين الذين رأوا في البرهان رمزاً لصمود الدولة خلال الحرب بدأوا يشعرون بأن الإنجاز العسكري الكبير يجري استنزافه سياسياً بصورة بطيئة، ليس عبر الخصوم، بل عبر الأداء الضعيف لبعض المحيطين به من وزراء، ومستشارين، ومساعدين، وشخصيات لا تبدو على مستوى اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان ،فأصبح الأمر مرتبطاً بصورة الرجل التاريخية بقدر ارتباطه بأدائه السياسي الحالي ، صحيح انه سوف يؤخذ بعين الاعتبار ما حققه في الميدان، ولكن أيضا سوف يُنظَر إلى نوعية الدولة التي يبنيها بعد الحرب، و نوعية الأشخاص الذين يختارهم لإدارة المرحلة .
التاريخ مليء بأمثلة مشابهة، فالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون لم يسقط فقط بسبب خصومه، بل لأن دائرته الضيقة تحولت إلى عبء سياسي وأخلاقي دمر رئاسته بالكامل في فضيحة ووترغيت ،وفي سياق مختلف، انتهى صدام حسين معزولاً داخل دائرة مغلقة من الموالين الذين كانوا يقولون له ما يريد سماعه لا ما يجب أن يسمعه، حتى فقد القدرة على رؤية الواقع كما هو ، وحتى الإمبراطور نابليون، الذي هزم أوروبا عسكرياً لسنوات، بدأت نهايته السياسية عندما أصبح محاطاً برجال عاجزين عن قراءة التحولات الكبرى التي كانت تحدث حوله ، وفي العالم العربي والإفريقي تحديداً، كثيراً ما تحولت مشكلة (البطانة الضعيفة) إلى أحد أسباب انهيار التجارب السياسية بعد الحروب، فالقائد الخارج من معركة كبرى يحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، لا إلى موظفين يبحثون عن النفوذ، أو شخصيات تجيد الظهور الإعلامي أكثر من إدارة الملفات المعقدة ، فأخطر ما يمكن أن يحدث للقادة بعد الانتصارات الكبرى ليس الهزيمة العسكرية، بل أن يتم اغتيالهم معنوياً وسياسياً بأيدي أقرب الناس إليهم عبر الضعف وسوء التقدير، وضيق الأفق، فيتآكل ما صنعوه بأيديهم دون أن يطلق الخصوم رصاصة واحدة ، وهذا تحديداً ما يثير القلق في الحالة السودانية الحالية ،فالدولة الخارجة من حرب بهذا الحجم تحتاج إلى حكومة أزمة حقيقية، وإلى مشروع وطني يعيد بناء المؤسسات والاقتصاد والعلاقات الخارجية، لا إلى أداء إداري باهت أو تحركات سياسية مرتبكة تضعف صورة الدولة أكثر مما تعززها .
المشكلة هنا لا تتعلق بالأسماء بقدر ما تتعلق بطبيعة المرحلة نفسها ،فالسودان اليوم ليس دولة مستقرة يمكن أن يتم إدارة شؤونها بعقلية الإدارة التقليدية، بل دولة تحاول الخروج من حافة الانهيار الكامل بعد حرب طاحنة قضت على الاخضر واليابس ،ولذلك فإن أي ضعف في اختيار الرجال أو أي ارتباك في إدارة الدولة سوف لن يُنظر إليه باعتباره خطأ عادياً، بل باعتباره استنزافاً مباشراً لما تحقق عسكرياً وسياسياً ،وفي هذا السياق تبرز الأسئلة المشروعة:
هل يدرك البرهان أن بعض المحيطين به لا يضيفون إلى صورته كرجل دولة، بل ينتقصون منها؟
وهل تدرك القيادة السودانية أن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الانتصار العسكري هو خسارة المعركة السياسية والإدارية بسبب سوء الاختيار وضعف الكفاءة؟.
السودانيون يستحقون دولة بقدر هذا الانتصار الذي تم، يستحقون أن يروا كفاءة، وهيبة، ووضوح رؤية، و إحساس بأن البلاد تُدار بعقل دولة لا بعشوائية ،فالتاريخ لا يرحم من ينتصرون في الحرب ثم يفشلون في بناء الدولة بسبب ضعف من أحاطوا أنفسهم بهم، فالقادة قد لا يسقطون دائماً بالهزيمة العسكرية المباشرة، بل أحياناً عبر الاستنزاف البطيء لهيبتهم وصورتهم وفاعليتهم من داخل دوائرهم المقربة، فالانتصارات العسكرية يمكن أن تتحول بسرعة إلى عبء سياسي إذا لم تساهم في التحول إلى دولة مؤسسات قوية، يشعر المواطن داخلها أن التضحيات التي دفعها لم تكن فقط من أجل البقاء، بل من أجل بناء وطن يستحق الحياة.
