*الصادق محمد أحمدخلال الأيام الماضية أثار إعلان انضمام مجموعة مسلحة تحمل اسم (نسور الشرق) إلى حركة العدل والمساواة – بحضور الناظر محمد الأمين ترك – جدلاً واسعاً داخل الأوساط السودانية، ربما لا تكمن أهمية هذا الحدث في حجم هذه القوة أو تأثيرها العسكري المباشر، بل في الدلالات السياسية والأمنية التي يحملها المشهد نفسه، فبعد سنوات طويلة من الحروب بين الدولة والحركات المسلحة، وبعد الكارثة الكبيرة التي تسبب فيها تمدد الدعم السريع وتحوله إلى قوة موازية للجيش، كان من المتوقع أن تتجه الدولة نحو تقليص السلاح الموجود خارج سلطة المؤسسة العسكرية الرسمية، وبدلاً عن ذلك شهدت الساحة ظهور تشكيلات عسكرية وتحالفات جديدة يمكن ان تؤدي مستقبلاً الى إعادة إنتاج المشهد ذاته ولكن بصورة مختلفة.لقد دفعت تجربة الدعم السريع السودانيين إلى النظر بحذر شديد إلى مسألة تعدد المجموعات المسلحة خارج مظلة القوات المسلحة القومية، فالأزمة لم تكن فقط في سلوك هذه القوات لاحقاً، بل في الفكرة نفسها، فوجود جماعات عسكرية تحتفظ بولاءات سياسية أو قبلية أو جهوية خارج البنية الوطنية الموحدة للقوات المسلحة ليست مجرد خلل أمني عابر ، بل مسألة تمس مباشرة الأمن القومي ووحدة الدولة وتماسكها الاجتماعي ، ومن هنا تبدو المخاوف الحالية مفهومة ومشروعة لأن أي تساهل مع استمرار الحركات المسلحة كقوى مستقلة – حتى لو كانت اليوم تقاتل إلى جانب الجيش – فقد يتحول مستقبلاً إلى أزمة جديدة أكثر تعقيداً.إن إتفاق جوبا للسلام الذي وُقع عام 2020 بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة جاء أساساً لإنهاء سنوات طويلة من الصراع ، وكذلك لفتح الباب أمام تحول هذه الحركات من العمل العسكري إلى العمل السياسي ، وقد نص الإتفاق بوضوح على الترتيبات الأمنية ودمج قوات الحركات تدريجياً داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بإعتبار أن بناء السلام الحقيقي لا يكتمل بدون وجود جيش وطني موحد يخضع له الجميع . و بعد مرور عدة سنوات على هذا الاتفاق يبدو أن الجزء المتعلق بالمشاركة السياسية وتقاسم السلطة وجد طريقه إلى التنفيذ، بينما بقيت الترتيبات الأمنية وملف الدمج متعثرة إلى حد كبير ، بل إن الواقع الحالي يشير إلى أن بعض الحركات احتفظت بقواتها وسلاحها ونفوذها العسكري بالتوازي مع مشاركتها في السلطة التنفيذية والسياسية ، بالإضافة إلى ذلك فإن مشاركة بعض هذه الحركات إلى جانب القوات المسلحة في الحرب الأخيرة ضد الدعم السريع أكسبتها خبرات قتالية أوسع، وعززت قدراتها التسليحية بصورة ربما تفوق ما كانت تمتلكه قبل الحرب ، وهذا تطور لافت لا ينبغي تجاهله عند التفكير في مستقبل الترتيبات الأمنية، لأن هذه القوى بعد انتهاء الحرب ستكون أكثر تسليحاً وتنظيماً وتأثيراً في المعادلة السياسية والعسكرية.إن التساهل في استمرار قوى مسلحة متعددة خارج الجيش الوطني – حتى لو تحت عناوين الشراكة أو التحالف المرحلي – يجعل الدولة معرضة دائماً للابتزاز السياسي و الأمني ، والتجربة السودانية نفسها تقدم المثال الأكثر قسوة على ذلك، فالدعم السريع بدأ في الأصل كقوة موازية جرى تبرير وجودها باعتبارات أمنية وعسكرية مؤقتة، قبل أن يتحول لاحقا إلى مركز قوة مستقل دخل في مواجهة مدمرة مع الدولة نفسها.ولهذا فإن أي حديث اليوم عن الإبقاء على قوات الحركات المسلحة بصيغتها الحالية يجب أن يُنظر إليه باعتباره قضية أمن قومي عالية الحساسية، لا مجرد ترتيبات سياسية مؤقتة أو تفاهمات مرتبطة بظروف الحرب الحالية.المشكلة ليست في مشاركة الحركات المسلحة في الحياة السياسية، فهذا حق طبيعي ومفهوم بعد أي عملية سلام، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في الجمع بين السلطة السياسية والقوة العسكرية في الوقت نفسه، فمن الصعب بناء نظام مستقر بينما تحتفظ قوى سياسية بأجنحة مسلحة قادرة على فرض الأمر الواقع بالقوة متى ما اختلفت الحسابات أو تبدلت التحالفات ، والأخطر من ذلك هو أن استمرار هذه التكوينات يفتح الباب تدريجياً أمام إعادة إنتاج المزيد من الحركات المسلحة بصورة أوسع في مختلف أنحاء البلاد، الأمر الذي ربما يؤدي إلى المزيد من الانقسامات، ويعزز الجهوية والقبلية ، ويعيد إنتاج منطق الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة ، فعندما تظهر تشكيلات وحركات ترتبط بأقاليم أو قبائل أو حركات بعينها فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تصبح شديدة الخطورة، وهي أن كل جماعة أو منطقة يمكن أن تبحث عن تمثيلها المسلح الخاص بها خارج الإطار الوطني الجامع ،وهذه بالضبط هي المعادلة التي قادت دولاً عديدة في المنطقة والإقليم إلى التفكك و الحروب الأهلية طويلة الأمد.لا أحد ينكر الدور العسكري الذي لعبته بعض الحركات المسلحة في مساندة القوات المسلحة خلال الحرب الأخيرة ضد الدعم السريع، فظروف المعركة كانت تحتاج بالفعل إلى تحالفات ميدانية معقدة فرضتها ضرورات الحرب،و لكن هناك فرق كبير بين وجود تعاون وتنسيق مع القوى المساندة أثناء الحرب، وبين تحويل هذا الواقع إلى صيغة دائمة لما بعد الحرب ، ولهذا تبرز اليوم ضرورة ملحة لدمج كل هذه القوات المساندة داخل الجيش قبل نهاية الحرب، لا بعدها، لأن ذلك وحده هو ما سوف يعكس و يؤكد وجود إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة على أساس جيش وطني واحد يحتكر السلاح والقرار الأمني بصورة كاملة ، فالسودان اليوم ليس في حاجة إلى نُسَخ جديدة من المليشيات مهما كانت شعاراتها أو مواقعها الحالية، بل يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة جامعة تكون مرجعيتها الدولة وحدها لا للجهات أو التحالفات أو الولاءات الضيقة ، لا يتعلق الأمر بالجانب الأمني فقط بل أيضا بمفهوم العدالة والمواطنة وهيبة الدولة ، فالمواطن الذي عانى سنوات طويلة من الحروب والانفلات المسلح يريد أن يشعر بأن الدولة هي المرجعية الوحيدة للقوة والقانون والسلاح ،أما إستمرار إنتشار الوجود المسلح في الولايات الآمنة أو تحول بعض القوى العسكرية إلى أدوات نفوذ سياسي داخل الوزارات ومؤسسات الدولة، فإن ذلك سوف يرسل رسالة مخالفة تماماً لما ينتظره الناس بعد كل هذه التضحيات الهائلة التي دفعها الشعب السوداني نتيجة حسابات سياسية وعسكرية خاطئة دفعت البلاد إلى هذا المسار المكلف.إن بقاء الحركات المسلحة بصيغتها العسكرية الحالية سيعقّد مستقبلاً أي عملية للإنتقال السياسي أو الديمقراطي الحقيقي، فالتجارب المختلفة تؤكد أن الديمقراطية لا تستقر في ظل وجود قوى سياسية تمتلك (جيوشاً خاصة) أو تحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة عن الدولة ، و في نفس الوقت فإن التعامل مع هذه القضية يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة السياسية، لأن الدمج لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، ولا عبر قرارات إدارية مجردة، بل من خلال مشروع وطني متكامل يعالج جذور الأزمة نفسها، وعلى رأسها التهميش السياسي والتنمية غير المتوازنة التي كانت أحد الأسباب الرئيسية في ظهور هذه الحركات منذ البداية ، و رغم كل ذلك، يبقى المبدأ الأساسي واضحا: ليس هناك مستقبل مستقر للسودان دون جيش وطني واحد، ودون إنهاء فكرة الجيوش الموازية مهما كانت مبرراتها الحالية ،لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً بسبب عسكرة السياسة وتعدد مراكز القوة المسلحة. من الخطورة بمكان أن تنتهي هذه الحرب بالخروج بمشهد أكثر تعقيداً من الذي دخلت به إليها ،فالسودان اليوم أمام لحظة فارقة، فإما أن تنجح الدولة في تحويل اتفاقات السلام إلى بوابة لبناء دولة موحدة تحتكر السلاح والقانون، وإما أن يتحول السلام نفسه إلى مجرد مظلة سياسية لإعادة تدوير المليشيات بأسماء جديدة ، فأخطر ما يمكن أن يخرج به السودان من هذه الحرب هو ترسيخ القناعة بأن الطريق إلى السلطة والنفوذ يبدأ بالبندقية وتكوين حركة مسلحة، لا عن طريق المؤسسات والدولة والقانون.
السلام المسلح: كيف تهدد الجيوش الموازية مستقبل السودان
