الاتحاد الإفريقي: من وسيط عاجز إلى ممر ناعم للأجندة الدولية

1. بالرغم من أن اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي الأخير يُصنّف كاجتماع راتب ضمن هياكل الاتحاد الإفريقي، إلا أن توقيته ومضامينه لا يمكن فصلهما عن تداعيات فشل مؤتمر برلين حول السودان 2026.2. فالإصرار على إعادة طرح ذات الملفات، بذات اللغة، يكشف أن الاجتماع لم يكن سوى محاولة لاحتواء ذلك الفشل عبر إعادة إنتاجه في غلاف إفريقي أقل تكلفة سياسية.3. إن الحديث عن “تنسيق المواقف مع المجموعة الإفريقية في مجلس الأمن يمثل خطوة في اتجاه تحويل المسار الإفريقي إلى قناة بديلة لتمرير ذات الأجندة، ولكن بعد إعادة تغليفها كـحلول إفريقية بما يمنحها شرعية شكلية ويقلل من كلفة تمريرها دولياً.4.هذه الخطوة لا تبدو إجراءً فنياً بريئاً، بقدر ما تعكس سعياً لتفادي استخدام روسيا والصين لحق النقض في مواجهة بعض المشاريع الغربية داخل المجلس.5. بهذا المعنى، يتحول عجز الاتحاد الإفريقي إلى مهدد حقيقي إذا ما قاده إلى لعب دور “الممر الناعم” لإعادة تدوير الإرادات الدولية داخل القارة….. 6.فالتكرار المستمر لذات الأطروحات يكشف قابلية متزايدة للعب دور الوسيط الذي يمنح الشرعية لما يُصاغ خارجه.7. إذا استمر هذا المسار، فإن الحديث عن حل إفريقي يفقد مضمونه تدريجياً، ليصبح مجرد توصيف سياسي لإدارة خارجية للأزمة، تُستخدم فيها مؤسسات القارة كواجهة لا كصانعة قرار.8. في جانب آخر، لا يمكن النظر إلى الحراك داخل الاتحاد الإفريقي بمعزل عن ما يُتداول بشأن تقارب أمريكي–إريتري. فهذا المسار، إن تأكدت معطياته، لن يكون منفصلاً عن إعادة توزيع الأدوار في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والعسكرية مع حسابات النفوذ الدولي.9. الربط بين المسارين يكشف نمطًا متكررًا: معالجة الأزمات عبر قنوات متعددة، إحداها “ناعمة” تمر عبر الأطر الإقليمية كـمجلس السلم والأمن الإفريقي، وأخرى “صلبة” تُدار عبر تفاهمات ثنائية وتحالفات ميدانية.10.في هذه الحالة، قد يتحول المسار الإفريقي إلى غطاء سياسي، بينما تُصاغ الترتيبات الفعلية خارج حدوده، بما في ذلك عبر إعادة تأهيل فاعلين إقليميين ومنحهم أدوارًا جديدة.11. إذا تقاطعت المسارات الناعمةوالصلبة عند نقطة واحدة، فإن السؤال لم يعد فقط ماذا يُقال للسودان، وانما ماذا يُراد فرضه عليه، رغم أن السودان حتى الآن أظهر قدرة على الصمود أمام الضغوط المباشرة.12.التجارب المشابهة تشير إلى أن مثل هذه الترتيبات لا تأتي بصيغة أوامر مباشرة، بل في شكل مقترحات حلول مشروطة، تبدو في ظاهرها مخرجًا للأزمة، لكنها تحمل في جوهرها إعادة تشكيل لمعادلة السلطة والتوازنات.13. أول ما قد يُطرح هو إعادة تعريف مسار التسوية السياسية، بحيث يتم الدفع نحو صيغة مدنية–عسكرية مُعاد هندستها، تُقلّص أدوار فاعلين بعينهم، وتُعيد إدماج آخرين ضمن ترتيبات جديدة. وغالبًا ما تُسوَّق هذه الصيغة باعتبارها استجابة لمتطلبات الاستقرار، لكنها في الواقع تعكس موازين القوى التي تشكلت خارج السودان لا داخله.14. وقد يُدفع السودان إلى ترتيبات أمنية غير معلنة بالكامل، تتصل بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي، خاصة إذا ارتبط التقارب مع إريتريا بإعادة توزيع أدوار في هذه المنطقة الحساسة.15. قد يجد السودان نفسه أمام التزامات تتعلق بإعادة تموضع في علاقاته الإقليمية، بما يتجاوز أولوياته الوطنية المباشرة.16.كما أن هناك احتمال توظيف الاعتراف الدولي كأداة ضغط،بغرض الاستجابة لهذه الترتيبات عبر مسار إفريقي يمنح الغطاء السياسي، ومسار دولي يمتلك أدوات التأثير الفعلي.17.طرح حلول بهذا الشكل في سياق أزمة داخلية معقدة، قد تُقرأ من بعض الأطراف كفرصة للخروج من المأزق، مما يفتح الباب أمام تمريرها دون نقاش كافٍ حول آثارها بعيدة المدى.18. تكمن الخطورة في أن هذين المسارين قد يلتقيان عند نقطة واحدة: فرض معادلة جديدة دون أن يكون السودان طرفًا فاعلًا في صياغتها. فبينما تُعاد صياغة الحلول عبر منصات إفريقية بغطاء “الشرعية”، تُنتج التحولات الإقليمية موازين قوى تُفرض على الأرض، وهو ما يجعل أي تأخر في القراءة أو الاستجابة ثغرة استراتيجية صعبة التدارك.19. الامر يتطلب انتقال السودان من موقع التلقي إلى موقع الفعل، عبر مقاربة تستوعب تداخل المسارات وتتحرك بمرونة تمنع عزله عن دوائر التأثير.20 وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفض أو قبول ما يُطرح، بل في القدرة على تفكيكه وفهم ما وراءه، ومعرفة الثمن الحقيقي لأي قبول محتمل ولن يتحقق ذلك إلا بقراءة دقيقة لما بين السطور قبل أن يتحول إلى وقائع مفروضة.21. لقد بدا الاتحاد الإفريقي أكثر صرامة تجاه السودان، بينما عجز في المقابل عن مساءلة دوله الأعضاء المتورطة في تعقيدات المشهد السوداني، ما يطرح تساؤلات جدية حول ازدواجية المعايير.22. لذلك، فإن على القيادة السودانية طي صفحة هذا الاتحاد الذي بات أقرب إلى “نمر من ورق”، مع إعادة توجيه الجهد الدبلوماسي نحو مقاربة أكثر فاعلية، تأخذ في الاعتبار التحولات الإقليمية، خاصة التقارب الأمريكي–الإريتري، عبر عمل دبلوماسي يقوده فاعلون مهنيون قادرون على قراءة المشهد، بعيدًا عن إعادة تدوير الأسماء التي إستمرأت تغيير جلدها من حين لآخر.

تحياتي *الفاتح الشيخ* 25/ابريل/2026