السفير.د.معاوية البخاري
مقدمة
لم يعد إغلاق مضيق هرمز وحصار الموانئ الإيرانية مجرد تطور عسكري في نزاع إقليمي، بل تحوّل إلى زلزال جيوسياسي أعاد تشكيل توازنات الاقتصاد العالمي. فالعالم الذي ظل لعقود يعتمد على انسيابية الطاقة من الخليج، وجد نفسه فجأة أمام معادلة قاسية: إما القبول بصدمة أسعار غير مسبوقة، أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة لفرض إعادة فتح الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
أولًا: اقتصاد عالمي على حافة الانكماش
أدى تعطّل صادرات النفط والغاز من الخليج، وخاصة عبر هرمز، إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، تجاوزت في تأثيرها أزمات أزمة النفط 1973 ومرحلة ما بعد الثورة الإيرانية 1979.
لكن الفارق اليوم أن الاقتصاد العالمي أكثر ترابطًا وتعقيدًا؛ فارتفاع الطاقة لم يعد مجرد عبء على الاستهلاك، بل أصبح عاملًا ضاغطًا على سلاسل الإمداد، والنقل، والتصنيع، وحتى الأمن الغذائي.
النتيجة:
• تضخم جامح يقابله ركود اقتصادي
• انهيار في ثقة الأسواق
• تراجع حاد في العملات، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة.
ثانيًا: إيران بين الحصار والانهاك الداخلي
بالنسبة لإيران، فإن حصار الموانئ لم يقتصر على خنق صادرات النفط، بل امتد ليضرب البنية التحتية المنهكة أصلًا بفعل الحرب والعقوبات.
تكاليف إعادة الإعمار والصيانة ارتفعت بشكل كبير، بينما تراجعت الإيرادات إلى مستويات غير مسبوقة، مما أدى إلى:
• عجز متفاقم في الموازنة
• انهيار في قيمة العملة
• تراجع القدرة على تمويل الخدمات الأساسية
وفي ظل ضعف المساعدات الإنسانية، بات الداخل الإيراني يعيش ضغوطًا مركبة بين الحرب والاقتصاد.
ثالثًا: الخليج.. الثروة تحت الضغط
دول الخليج، رغم احتياطاتها المالية، ليست بمنأى عن الأزمة. فتعطّل التصدير لا يعني فقط خسارة الإيرادات، بل يهدد أيضًا:
• استقرار أسواق الطاقة العالمية
• خطط التنويع الاقتصادي
• التزاماتها المالية والاستثمارية
كما أن استمرار الأزمة يعرض منشآتها الحيوية لمخاطر أمنية متزايدة، ما يرفع كلفة الحماية والتأمين.
رابعًا: شرق آسيا.. الضحية الصامتة
الدول الأكثر تضررًا ليست بالضرورة الأطراف المتحاربة، بل الاقتصادات الصناعية الكبرى في آسيا:
• الهند: تواجه تضخمًا حادًا في الطاقة يهدد نموها الصناعي ويضغط على عملتها.
• كوريا الجنوبية: تعتمد بشكل شبه كامل على واردات الطاقة، ما يجعل صناعاتها الثقيلة في خطر.
• اليابان: تعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع تنافسية صادراتها.
• شرق آسيا عمومًا يواجه أزمة مزدوجة: ارتفاع الأسعار وانقطاع الإمدادات.
هذه الدول، التي شكّلت محرك النمو العالمي، تجد نفسها الآن رهينة لصراع لا تملك أدوات حسمه.
خامسًا: الصين.. براغماتية الربح في زمن الأزمات
في قلب هذا المشهد، تتحرك الصين ببراغماتية عالية.
فهي، من جهة، تستفيد من إعادة تشكيل تدفقات الطاقة عبر صفقات طويلة الأجل بأسعار تفضيلية، ومن جهة أخرى، تعيد تصدير المنتجات بأسعار أعلى، مستفيدة من اختناقات السوق.
لكن هذا الدور لا يخلو من المخاطر، إذ أن استمرار الأزمة يهدد أيضًا الطلب العالمي على صادراتها.
سادسًا: بين خيارين أحلاهما مرّ
العالم اليوم أمام خيارين:
1. قبول التضخم المرتفع وما يرافقه من ركود واضطرابات اجتماعية
2. التدخل العسكري لفتح المضيق، مع ما يحمله ذلك من مخاطر توسع الحرب
وفي الحالتين، فإن كلفة القرار ستكون باهظة، ليس فقط اقتصاديًا، بل سياسيًا وأمنيًا.
خاتمة: ما بعد هرمز ليس كما قبله
ما يجري اليوم يتجاوز كونه أزمة عابرة؛ إنه إعادة تشكيل للنظام العالمي في ظل صراع على الطاقة والممرات الاستراتيجية.
فإذا كانت أزمات السبعينيات قد أعادت رسم خريطة النفوذ النفطي، فإن تداعيات حرب الشرق الأوسط، وأزمة هرمز الحالية قد تعيد تعريف مفهوم الأمن العالمي ذاته.
العالم لا يواجه فقط نقصًا في المعروض، بل يواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرته على إدارة الأزمات المركبة في زمن التشابك الكامل.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يتجه العالم نحو تسوية تضمن انسياب الطاقة، أم نحو مواجهة تعيد كتابة التاريخ بثمن أفدح وخسائر لم يشهدها التاريخ؟
—————-
٢٥ أبريل ٢٠٢٦م
