الحرب الثلاثية: ما بين السواحل – الجبهة العراقية وجزيرة خارك!؟


السفير.د.معاوية البخاري

تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط لحظة استراتيجية شديدة الحساسية، مع تصاعد ما يمكن وصفه بـ”الحرب الثلاثية” التي تتداخل فيها الجبهات البحرية والبرية وممرات الطاقة الحيوية. فالمشهد الإقليمي لم يعد مجرد توتر عسكري تقليدي بين أطراف متقابلة، بل أصبح صراعاً مركباً متعدد المسارات، يمتد من السواحل الخليجية وممرات الملاحة الدولية، مروراً بلبنان والجبهة العراقية، وصولاً إلى النقطة الأكثر حساسية في معادلة الطاقة الإيرانية: جزيرة خارك.

وتكتسب هذه الحرب تسميتها من تعدد ساحاتها وتشابك أدواتها، حيث تتحرك في آنٍ واحد عبر البحر والبر وشبكات النفوذ الإقليمي، مع حضور قوي لعوامل الطاقة والاقتصاد الدولي. ومع كل خطوة تصعيدية، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.

أولاً: السواحل الخليجية وممرات الطاقة

تُعد السواحل المطلة على الخليج العربي واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم من حيث أمن الطاقة والتجارة الدولية. فهذه المنطقة تمثل شرياناً رئيسياً لتدفق النفط والغاز نحو الأسواق العالمية، كما تمر عبرها خطوط الملاحة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة.

وفي ظل التوترات الراهنة، تتحول هذه السواحل إلى ما يشبه “مسرح الاشتباك البحري المفتوح”. فاستهداف ناقلات النفط أو الموانئ أو منصات الطاقة البحرية والمنشآت الحيوية بات أحد السيناريوهات المتداولة في أي تصعيد محتمل. كما أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يظل الورقة الأكثر حساسية في هذا الصراع، نظراً لأن تعطيله – حتى لفترة قصيرة – قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية.

إلى جانب ذلك، فإن الحضور العسكري البحري المتزايد للقوى الدولية في الخليج يعكس حجم القلق الدولي من تحول المنطقة إلى بؤرة مواجهة بحرية واسعة، خاصة في ظل التوتر المتصاعد بين الأطراف الرئيسة مع ايران وبين إيران وعدد من دول الخليج.

ثانياً: الجبهة العراقية… ساحة النفوذ المتشابك

إذا كانت السواحل تمثل البعد البحري للصراع، فإن العراق يشكل الجبهة البرية الأكثر حساسية في هذه الحرب غير المعلنة. فالعراق بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي وتركيبته السياسية المعقدة أصبح نقطة تماس مباشرة بين مشاريع النفوذ الإقليمي، بعمقه الذي يلامس لبنان وسوريا وتركيا واستحضار مقتل سليماني.

لقد تحول العراق خلال السنوات الماضية إلى مساحة لتوازنات دقيقة بين قوى دولية وإقليمية متعددة، حيث تتداخل فيه مصالح الولايات المتحدة وإيران والقوى العربية، إلى جانب الفاعلين المحليين من القوى السياسية والجماعات المسلحة.

وفي حال تصاعدت حدة التوتر الإقليمي، فإن الساحة العراقية قد تتحول إلى ميدان للرسائل العسكرية غير المباشرة، سواء عبر استهداف القواعد العسكرية الأجنبية او الناقلات او الجزر أو عبر نشاط المليشيات المرتبطة بمحاور إقليمية مختلفة.

ويكمن الخطر الحقيقي في أن أي تصعيد داخل العراق لن يبقى محصوراً في حدوده الجغرافية، بل قد يفتح الباب أمام سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التي قد تمتد إلى دول الجوار.

ثالثاً: جزيرة خارك… قلب المعادلة النفطية الإيرانية

في قلب معادلة الطاقة في الخليج تقف جزيرة خارك بوصفها واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في البنية النفطية الإيرانية وصادراتها. فهذه الجزيرة الواقعة في شمال الخليج العربي تمثل المنفذ الرئيسي لتصدير النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.

وتشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية يمر عبر مرافق التخزين والتحميل الموجودة في الجزيرة، وهو ما يجعلها هدفاً بالغ الحساسية في أي مواجهة عسكرية محتملة.

إن استهداف هذه الجزيرة قد يؤدي إلى إحداث صدمة كبيرة في الاقتصاد الإيراني، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع، إذ قد تلجأ طهران إلى الرد عبر أدوات متعددة، سواء عبر توسيع دائرة العمليات في الخليج أو عبر حلفائها الإقليميين باستهداف مواقع نفطية مماثلة.

ومن هنا تبدو جزيرة خارك أشبه بـ”العقدة الاستراتيجية” في هذا الصراع، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي، وتوازن القوى ولو نسبياً.

رابعاً: البعد اليمني ودور الحوثيين في معادلة التصعيد

لا تكتمل صورة هذه الحرب الثلاثية دون النظر إلى البعد اليمني، حيث يمثل الحوثيون أحد أهم أوراق الضغط في المعادلة الإقليمية. فالموقع الجغرافي لليمن المطل على البحر الأحمر وباب المندب يمنح هذه الجبهة أهمية استراتيجية كبيرة في أي تصعيد إقليمي.

وخلال السنوات الأخيرة، أظهرت الجماعة قدرتها على استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى لاستهداف منشآت حيوية أو تهديد حركة الملاحة البحرية. وفي حال اتساع نطاق الصراع، قد تتحول الجبهة اليمنية إلى ساحة إضافية لتوسيع الضغط على دول الخليج أو على خطوط التجارة العالمية. خاصة وأنها قد صرحت بانها ستدخل ساحة المعركة في الوقت المناسب!؟.
ويعني ذلك أن الصراع لم يعد محصوراً في الخليج وحده، بل سيمتد جغرافياً من مضيق هرمز شرقاً إلى باب المندب غرباً، وهو ما يضاعف من حجم المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة والتجارة الدولية ويفجر تداعيات اكثر أثراً.

خامساً: الأبعاد الدولية للصراع

لا يمكن قراءة هذه الحرب بمعزل عن التنافس الدولي المتصاعد في المنطقة. فالخليج العربي لا يمثل مجرد ساحة صراع إقليمي، بل يعد أحد المفاتيح الأساسية لاستقرار النظام الاقتصادي العالمي.

ولهذا فإن أي اضطراب واسع في هذه المنطقة قد يدفع القوى الكبرى إلى التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر لضمان استمرار تدفق الطاقة وحماية الممرات البحرية. وهذا ما صرحت به بريطانيا لارسال مئة مسيرة اعتراضية للشرق الأوسط.
ومن المرجح أن تلعب القوى الدولية دوراً مزدوجاً في هذا السياق؛ فمن جهة تسعى إلى منع الانفجار الكبير الذي قد يهدد الاقتصاد العالمي، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على توازنات النفوذ في المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، ويقود الي خفض التصعيد..

سادساً: سيناريوهات التصعيد المحتملة

في ضوء التطورات الراهنة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار هذه الحرب الثلاثية:

  1. التصعيد المحدود
    وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، حيث تستمر الضربات المتبادلة أو العمليات العسكرية المحدودة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
  2. الحرب الإقليمية الواسعة
    وفي هذا السيناريو تتوسع دائرة الصراع لتشمل الخليج والعراق وربما اليمن ولبنان، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية ويهدد استقرار المنطقة.
  3. الاحتواء الدبلوماسي
    حيث تتدخل القوى الدولية عبر الوساطات والضغوط السياسية لاحتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة.

خاتمة: صراع الجغرافيا والطاقة

إن الحرب الثلاثية الممتدة بين السواحل الخليجية والجبهة العراقية وجزيرة خارك ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي انعكاس لصراع أعمق يتداخل فيه الجيوسياسي بالاقتصادي والأمني الاستراتيجي.

ففي هذه المنطقة تتقاطع طرق الطاقة العالمية مع حسابات النفوذ الإقليمي ومصالح القوى الكبرى، ما يجعل أي شرارة صغيرة قابلة للتحول إلى أزمة دولية واسعة.

ولهذا فإن مستقبل هذا الصراع لن تحدده فقط موازين القوة العسكرية، ولا اللاعبين الأساسيين بل ستلعب فيه أيضاً حسابات الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار الأسواق دوراً حاسماً في رسم مساراته.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل تنجح الدبلوماسية الدولية في تدارك الموقف المتصاعد والعمل على احتواء هذه الحرب ضمن حدودها الحالية، أم أن الشرق الأوسط يقف بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية المفتوحة والسيناريوهات المحتملة مفتوحة المآلات!؟.
——————
١٥ مارس ٢٠٢٦ م