الأمين العام للصندوق القومي للإسكان والتعمير في حوار مع “اخبار السودان ” يكشف كيف تحرك الصندوق أثناء الحرب وخطط الإعمار

رهان ما بعد الحرب السكن حق وعدالة اجتماعيةالسكن ليس جدراناً فقط

في وقتٍ تتشابك فيه تحديات الحرب مع متطلبات إعادة البناء، يقدّم الصندوق القومي للإسكان والتعمير نموذجاً لدور الدولة في حماية حق السكن وتوسيع مظلته الاجتماعية.

في هذا الحوار، يوضح الأمين العام الهادي أبو ضفاير كيف تحرّك الصندوق خلال الحرب، وما هي رؤيته لما بعدها، في إطار يربط بين الإسكان والاستقرار والعدالة الاجتماعية.

حوار :اخبار السودان

– حدثنا عن الصندوق الآن في مرحلة الحرب؟

في زمن الحرب، لم يقف الصندوق القومي للإسكان والتعمير متفرجًا، بل أصدر منذ البداية موجّهات لصناديق الولايات لفتح دور الإسكان لاستقبال النازحين، حيث استُضيفت أعداد منهم في ولايات الشمال، والقضارف، وكسلا، والبحر الأحمر. وانطلاقاً من رؤيته، يعمل الصندوق على إسكان الفئات الضعيفة والمتوسطة باعتبار السكن حقاً أساسياً لا تستقيم الحياة بدونه، وفي الوقت نفسه يقدّم مشروعات استثمارية لذوي الدخل العالي كآليةٍ لتمويل الإسكان الاجتماعي وتحقيق التوازن. وبذلك يصبح تنوع أنماط الإسكان تكاملاً لا تناقضاً، حيث تُسهم الفئات القادرة في دعم حق الفئات الأضعف، ويتحوّل الاستثمار إلى أداةٍ لتحقيق العدالة السكنية والاستدامة.

ماهي خطتكم لما بعد الحرب؟

لدينا خطط طموحة لما بعد الحرب، في مقدمتها برنامج المليون وحدة سكنية للشباب، بوصفه رؤيةً لإعادة بناء المستقبل لا مجرد توسّعٍ عمراني. فالسكن بعد الحرب لا يُختزل في البناء، بل يصبح معنى للكرامة وشرطاً للاستقرار الإنساني. ومن هنا ينهض دور الصندوق القومي للإسكان والتعمير ككيانٍ يحافظ على فكرة الوطن حيّة، لا مجرد جهةٍ للبناء. كما تمتد المشروعات لتشمل توفير منازل لأسر الشهداء وذوي الاحتياجات الخاصة، باعتبارها استحقاقًا أخلاقيًا قائمًا على الوفاء والتكافل. وبذلك يتجاوز السكن الجدران إلى المعنى، ليصبح فعل إنصافٍ يعيد الاعتبار ويمنح الطمأنينة والاستمرار.

– هل يقتصر دور الصندوق على السكن الشعبي؟

لا يقتصر دور الصندوق على نمطٍ واحد من الإسكان، بل يمتد ليشمل السكن الشعبي والاقتصادي والاستثماري، في رؤيةٍ تتجاوز التقسيمات التقليدية نحو فهمٍ أشمل لاحتياجات المجتمع. فالسكن الشعبي يوفّر الحماية للفئات الأضعف، والسكن الاقتصادي يخاطب تطلعات الطبقة المتوسطة بين القدرة والطموح، أما السكن الاستثماري فيُعدّ رافعةً تمويلية تُسهم في استدامة المنظومة ككل. وبذلك، تتحول هذه الأنماط من تصنيفاتٍ عمرانية إلى منظومةٍ متكاملة، هدفها ألا يُقصى أحد من حقه في السكن، وأن يقوم البناء الاجتماعي على توازنٍ دقيق بين العدالة والإمكان.

– ما الجهات المستهدفة بمشاريع الصندوق؟

لا يوجّه الصندوق بوصلته إلى فئةٍ دون أخرى، بل ينظر إلى المجتمع بوصفه نسيجاً واحداً تتكامل شرائحه. لذلك تمتد مشاريعه لتشمل محدودي الدخل، والطبقة المتوسطة، والفئات القادرة عبر الاستثمار الذي يسهم في استدامة المنظومة. فالسكن هنا ليس مجرد توزيع وحدات، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان والمكان، بحيث يجد كل فردٍ موقعه الطبيعي دون إقصاء. وهكذا يصبح السكن أداةً للعدالة والتكامل أكثر من كونه منتجاً عمرانياً.

هل لدى الصندوق خطة لإعادة الإعمار وإسكان المتأثرين بالحرب؟

لا يقف الصندوق القومي عند الاستجابة الآنية، بل يتجه نحو رؤيةٍ أوسع لإعادة الإعمار بوصفها فعلاً إنسانياً قبل أن تكون مشروعاً عمرانياً، مع تركيزٍ خاص على أصحاب الدخل المحدود وذوي الاحتياجات الخاصة باعتبارهم الأكثر حاجة للدعم. فإعادة الإعمار هنا ليست مجرد بناءٍ لما تهدّم، بل استعادة للكرامة وإعادة إدماج الإنسان في دورة الحياة عبر السكن الكريم. وهكذا تتجسد العدالة في قدرتها على منح الأضعف فرصةً حقيقية للبدء من جديد، لأن قوة الوطن تُقاس بقدر ما يحتضن بهامشه قبل مركزه.

أين ستكون المواقع الجديدة للمشروعات؟

لم ينحصر أفق الصندوق في جغرافيا اللحظة ولا في قيود الحرب، بل قدّم برنامجاً متكاملاً للإنشاءات ينطلق من الولايات الآمنة، مع الحفاظ على شمولية الرؤية لكل السودان. فالمشروعات تُنفّذ حيث يتوفر الحد الأدنى من الاستقرار، لكن الإعمار يظل حقاً مؤجلاً لكل ولاية تأثرت بالحرب، في انتظار اكتمال شروطه. إنها معادلة بين الممكن والمأمول؛ نبني حيث نستطيع، ونخطط لكل الوطن، بحيث لا تصبح الجغرافيا عائقاً، بل مرحلة في طريق استعادة الوطن بأكمله.

– هل ستمتد المشروعات لقطاعات خدمية؟نعم، فالأمر في جوهره ليس إضافةً طارئة على عمل الصندوق، بل هو من صميم فلسفته ووظيفته. إذ لا يُنظر إلى السكن بوصفه جدراناً تُقام فحسب، بل كبيئةٍ متكاملة تُصان فيها الحياة وتستقيم. ومن هنا، يمتد دور الصندوق ليشمل تقديم الخدمات الأساسية، من مدارس تُنير العقول، إلى مستشفيات تحفظ الأرواح، في إدراكٍ عميق بأن البيت بلا خدمةٍ ليس استقراراً، بل عزلةٌ مقنّعة. وقد تجلّت هذه الرؤية عملياً في تجارب ناجحة، لا سيما في كردفان، حيث لم تُبنَ المساكن وحدها، بل شُيّدت معها مقومات الحياة، في نموذجٍ يُشير إلى أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المباني، بل بقدرتها على احتضان الإنسان تعليماً وصحةً وكرامة.