فى مواجهة سياسة خلط للأوراق الماكرة : على أفريقيا أن تقف على الجانب الصحيح من التاريخ فيما يتعلَّق بالسودان

نقلا عن صحيفة براوند لاند الاجليزية

محمد احمد ادم
ترجمة: سيف الدولة الطيب

إن الانتفاضات المتصاعدة التي يقودها الشباب في غرب أفريقيا، ليست سوى تعبير حقيقي عن أن العديد من الأفارقة، بما في ذلك القادة السياسيون والناشطون، قد توصلوا في نهاية المطاف إلى نتيجة مشتركة؛ إن الهيمنة الغربية على العديد من الجوانب في بلدانهم، عسكريًا أو اقتصاديًا أو حتى ثقافياً، لن تؤدي إلا إلى تفاقم العقبات وإعاقة التنمية.
إن الادعاء بأن الاستغلال كان جوهر الأيديولوجية الفرنسية القائمة في أفريقيا، لا ينطوي في النهاية على أي مبالغة، فالقادة الفرنسيون المتعاقبون انفسهم ، أبرزوا هذه النية مراراً وتكراراً وفى حقب تاريخية مختلفة، حيث أكد فرانسوا هولاند في عام 2013م أن فرنسا إلى جانب أوروبا ستكون أكثر نشاطاً في تشكيل مصير أفريقيا. وفي وقت سابق، في عام 1957م، حذر فرانسوا ميتران من أن فرنسا لن يكون لها أي موقع في تاريخ القرن الحادي والعشرين، ما لم تحافظ على سيطرتها فى أفريقيا. وفي السياق نفسه، أقر جاك شيراك أنه “بدون أفريقيا، ستنزلق فرنسا لتكون ضمن مصاف العالم الثالث.
ولذلك فان المبعث الرئيس للدعوات المتزايدة لتفكيك القواعد العسكرية الأجنبية فى غرب أفريقيا، هو تزايد المخاوف من أن هذه القواعد العسكرية – وخلافاً لتفويضها المعلن – ربما ظلَّت تعمل سراً لتشكَّل قواعد لوجستية لتشجيع وتسليح نفس الجماعات الإرهابية والجهادية النشطة، التي ما انشأت هذه القواعد الا لمقاتلتها فى المقام الأول.

ويفتح ذلك بدوره الباب مشرعاً، أمام الشكوك المتزايدة حول البطء غير المبرر أو ما يمكن وصفه بالتقاعس، من جانب القوى الغربية في القضاء بشكل كامل، على تهديد تنظيم مثل داعش ومثيلاته من الجماعات الجهادية المتطرفة التى تهدد الأمن في منطقة الساحل وأماكن أخرى من العالم. فى وقت تقود فيه واشنطن على سبيل المثال، تحالفاً دولياً وإقليمياً يضم أكثر من ستين دولة تمتلك أكبر الترسانات العسكرية وأكثرها تطوراً في العالم لهذا الغرض. علاوة على ذلك، فقد بات جلياً حيازة هذه العناصر السالبة، وامتلاكها لأحدث أنواع الأسلحة الغربية. كل ذلك إنما يدعم ويعزز بدوره هذه الشكوك، بأن هذه الجماعات في جوهرها، ليست إلا مجرد عصا غليظة أو كلاب صيد مأجورة، لخدمة مخططات إمبريالية خفية فى الإقليم.

إن الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الأقوال، ويجب على الأفارقة ألا يخطئوا فى التمييز، لأن ميليشيا الدعم السريع – حتى لو استمرت في رفع شعارات براقة – فإنها تسير بشكل واضح، على ذات مسار الجماعات الإرهابية والجهادية المذكورة أعلاه، وتعيث فساداً في القارة، ولا نتجنى عليها بالقول إنها فى نهاية المطاف، إحدى الأدوات المستحدثة للاستعمار الجديد، التى حشدت عمداً في هذا التوقيت للقضاء على الانتفاضة والحراك اللذين تشهدهما أفريقيا وتبدو كأنها كرة ثلج متحركة تهدف للوقوف سداً منيعاً لمكافحة الهيمنة الغربية ونهب الموارد الطبيعية للقارة.

من الجدير أن نلاحظ هنا، أن التضامن والاصطفاف الكبيرين، الذي أظهرته الجماهير في غرب أفريقيا، تجاه العسكريين الذين قادوا التغيير السياسي في بلدانهم، لم يكن بالضرورة مدفوعاً بالحنين للحكم العسكري، بقدر ما كان تحركاً عفوياً سببه الضرورة والحاجة لوضع حد للنفوذ الأجنبي، الذي أصاب بلدانهم بالشلل لعقود طويلة.

يجب على العالم أجمع والأفارقة على وجه خاص ألا يخطئوا التقديرات، فالحرب في السودان ليست حرباً بين جنرالين، كما تميل وسائل الإعلام المغرضة والشريرة دائماً إلى تصويرها. إنها حرب الضرورة، بين القوات المسلحة الوطنية السودانية، التي تحتفل، والشى بالشئ يُذكر، بالذكرى المئوية لتأسيسها العام المقبل 2025م، ضد ميليشيا عسكرية تمردت وخرجت مع سبق الإصرار ضد تعليماتها وسلطتها، ونفذت لاحقاً انقلاباً كاملاً في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023م، بتحريض من جهات إقليمية ودولية، لخدمة أجندات غير وطنية بالضرورة.

إن “معركة الكرامة” يخوضها الشعب السوداني، بعد أن وجد نفسه مجبوراً على حمل السلاح، دفاعاً عن النفس بالدرجة الأولى، والاصطفاف خلف قواته المسلحة.

إنه صراع الضرورة، الذي استلزمته بشكل لا لبس فيه، ذات القيم والأجندات الوطنية، التي دفعت وأشعلت الانتفاضات الجماهيرية الهادرة الأخيرة في غرب القارة.

ورغم كل التحديات والتضحيات الجسام، كان على الشعب السوداني أن يظهر تضامنه القوى الذى لا يتزعزع، خلف قواته المسلحة، ضد نمط جديد من عملاء الاستعمار وإن لبس قبعة مختلفة. إن الميليشيا الإرهابية، المنغمسة حالياً وبلا هوادة، في نسخة مجنونة من سياسة الأرض المحروقة سيئة السمعة، تدمر كل شيء في طريقها، وتنشر الفوضى، وبالتالي تمهد الطريق لأسيادها، لمزيد من نهب ثروات السودان وموارده البكر في غالبها.

من المفهوم تماماً أن المعركة اليوم حول الموارد الطبيعية والسيطرة عليها والوصول إليها كانت وستظل أحد الأسباب الرئيسية للصراع خاصة في أفريقيا. فالمجموعات المسلحة المحلية، مثل قوات الدعم السريع في السودان اليوم، تميل إلى إبرام صفقات سرية، تحت جنح الظلام، وأحياناً بالتواطؤ أو التعاون مع جهات خارجية أو دول مجاورة لها مصالح، وتعمل معها لاستخراج هذه الموارد واستغلالها فى غير مصلحة الدولة الوطنية ومواطنيها. إنها للأسف ما أُطلق عليه” لعنة الثروة”.

إن قوى الظلام التي سادت في جمهورية الكونغو الديمقراطية لعقود من الزمن، تنقض حالياً بقوة وتعيث فساداً لالتهام ثروات وموارد السودان الدولة المجاورة.

إذا أخذنا في الاعتبار الصراع الدائر في جمهورية الكونغو الديمقراطية والذي يُعد – بكل المقاييس – الأسوأ في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، حيث قُتل فيه ما يقرب من ستة ملايين شخص منذ عام 1996م، بينما لا زال أكثر من ستة ملايين شخص نازحين داخلياً، فإنه سيكون من السذاجة بمكان، الاعتقاد بأن فهم الديناميكيات السياسية الحالية في السودان، ممكن بمعزل عن فهم العلاقة الثلاثية الوثيقة، بين استغلال المعادن الكونغولية والشركات الدولية والجماعات المتمردة التي تنشط في البلاد.

وفي واقع الأمر، فإن انعدام الأمن في السودان يرجع أيضاً إلى عوامل معقدة وعميقة الجذور، فضلاً عن العديد من الجهات الفاعلة. ولا ننسى أن السودان يحتل المركز الـثالث عشر عالمياً والثالث أ في إنتاج الذهب أفريقياً، ويمتلك احتياطياً من الفضة يبلغ ألف وخمسمائة مليون طن، واحتياطي مليون وخمسمائة ألف طن من اليورانيوم، كل ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

أدى التمدد في مناجم الكوبالت والنحاس على نطاق واسع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى بروز جريمة الإخلاء القسري لمجتمعات بأكملها، بجانب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تشمل الاعتداء الجنسي والحرق المتعمد والضرب. ومن المعروف سلفا، أن التهجير أو الطرد الجماعي القسري، يُعد جريمة حرب وفقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949م وبروتوكولاتها لعام 1977م.
وهو جوهر ما تمارسه المليشيا المتمردة حالياً في السودان، من عمليات القتل العشوائي، والاغتصاب الجماعي والإخلاء القسري للسكان المدنيين العزل من مدنهم وقراهم، حيث تتبع الميليشيا سيئة السمعة، بكل بدقة خطى نظيراتها من الميليشيات الكونغولية. وفي نهاية المطاف، فهو إعمال لنفس السيناريو القديم، الذي تم تنفيذه في بلدان أفريقية مختلفة غنية بالموارد، ولو بدرجات متفاوتة، من قبل جهات فاعلة مختلفة.

إن الميليشيا المتمردة فى السودان، مسنودة بعشرات الآلاف من المرتزقة الأجانب، تواصل مسلسل مضايقة المدنيين في مناطق سيطرتها بكافة الوسائل حتى يضطروا للهجرة – طوعاً أو غير ذلك – خارج مناطق سيطرتها أو حتى خارج البلاد.

وقد لا يعلم الكثيرون أن رئيس النيجر المطاح به، محمد بازوم، والذى ينتمي إلى نفس المجموعة العرقية العربية التي ينتمي إليها حميدتى قائد الاتقلاب فى السودان، كان قد دعم قوات الدعم السريع، في المراحل الأولى من الحرب في الخرطوم، بقوات من النخبة(حرسه الرئاسى) بلغ تعدادها ستة الآف جندي كانوا قد خضعوا لتدريب عالٍ ونوعى، تحت إشراف القوات الفرنسية (للمفارقة أن بازوم، كان قد افتقدهم بشدة، عندما كان في أمس الحاجة إليهم عند انقلاب حرسه الرئاسي عليه فيما بعد) هذا فضلاً عن حوالي عشرين ألف مجرم، تم إطلاق سراحهم من سجون النيجر، للانضمام إلى القوات الفرنسية وللقتال مع قوات الدعم السريع. كما حذت فيما بعد انجمينا حذوه، وقع الحافر بالحافر، فأطلقت سراح أعداد كبيرة من المتمردين المشاكسين للسلطة فى انجمينا المنحدرين من أصول عربية، ممهدةً لهم الطريق للانضمام والقتال إلى جانب المليشيا، وبالتالي تكون تشاد قد ضربت عصفورين بحجر واحد.
ومن ناحية أخرى، لا تزال القبائل الأفريقية في دارفور تعاني من حمامات دماء مروعة ذات طبيعة عرقية بحتة، على أيدي مليشيا الدعم السريع والمجموعات العربية المتحالفة معها، والتي تم جلبها من مختلف دول الساحل الأفريقي لمشاركة أبناء عمومتهم فى مليشيات الدعم السريع في ارتكاب مجازر وإبادة جماعية وجرائم حرب ممنهجة، كانت الأشد فظاعة من بينها، ما اُرتكِب ضد ضد قبيلة المساليت الأفريقية.

والحقيقة أن مقاطع الفيديو المتداولة تؤكد بشكل لا لبس فيه، اقتحام جنود الدعم السريع منزل خميس أبكر والي ولاية غرب دارفور، وإحضاره إلى مكتبه، حيث تم اغتياله بدم بارد، أمام أعين قادة المليشيا. ويظهر مقطع فيديو مؤلم آخر، كيف تم تسليم جثمان الوالي لاحقاً لمجموعة من الصبية والفتيات الصغار، لمزيد من عمليات التشويه والإذلال، وهم يرددون فى الاثناء، أغانٍ وعبارات عنصرية تسيء إلى المتوفى وتهدِّد القبائل الأفريقية في دارفور، بنفس المصير.
وبدون الحاجة أصلاً للمزيد من التفسير والأدلة، صدر تقرير هيومن رايتس ووتش الشامل، الذي نُشِر قبل أيام قليلة، وجاء في 186 صفحة، ليؤكد أن مليشيا الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها، دون أي التباس، هى من ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، من خلال استهدافها قبيلة “المساليت” الأفريقية غير العربية بشكل متعمد وممنهج، مما أسفر عن مقتل ما بين عشرة الآف وخمسة عشر ألف مدني في مدينة الجنينة وحدها.

وفى ذات السياق، كانت مجموعة مشتركة تضم أعضاء من مجلس الشيوخ الديمقراطيين والجمهوريين، في الولايات المتحدة، قد اقترحت فى فبراير الماضي، مشروع قانون يصنف “أعمال قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في دارفور ضد المجتمعات العرقية غير العربية على أنها “إبادة جماعية”.

وأخيراً، فإن العقوبات التي أعلنتها واشنطن على اثنين من قادة قوات المليشيا المتمردة في الرابع عشر من مايو 2024م، ليست إلا حلقة جديدة من مسلسل النفاق الأمريكى، ولعل ذلك ما دعا السيد كاميرون هدسون، الباحث الأمريكى المخضرم والمستشار السابق لوزارة الخارجية الأمريكية والبيت الابيض للشؤون الأفريقية، أن يتساءل بسخرية عن جدوي فرض عقوبات على أشخاص ليس لديهم حسابات خارجية بالدولار الأمريكي ولا يحتاجون أصلاً للسفر للخارج ؟

في واقع الحال، فإن الخطوة الأمريكية، مجرد عمل دعائي، وخدعة سياسية لذر الرماد على العيون، والتنصل من المسؤلية الأخلاقية، في إجبار مليشيا الدعم السريع على وضع حدٍ لحمام الدم اليومي في السودان.

إن واشنطن وحلفائها الغربيين على حد سواء، وإن كانت لا تعوزهم على الإطلاق الوسائل لتحقيق هذا الهدف، لكنهم للأسف، يفتقرون حقيقةً إلى الإرادة السياسية. وفي نهاية المطاف، يظل هذا النوع من ردود الفعل أقل كثيراً مما هو مطلوب وفى نفس الوقت متأخر جداً.