السفير عبد المحمود عبد الحليم يكتب
نحمد للاخ دكتور الدرديرى محمد احمد اطلالته القيمة لتشخيص ومحاولة فهم لماذا لم توجه برلين الدعوة للسودان ، صاحب الشان، لحضور مؤتمر تنظمه عن قضية الحرب والسلام فيه ، ولم يكن هدف المقال سرد تفاصيل المبادلات التجارية والاقتصادية والفنية وغيرها والا لاضفنا لماتمت الاشارة اليه من علاقات وجود معهد جوته بالخرطوم منذ امد بعيد وحكاية المرتزق اشتاينر الشهيرة وغيرها حيث ركز دكتور الدرديرى على ابراز كيف ان اصداء وظلال التاريخ ظلت تطارد صانعى السياسة الالمان وتشكل مقودا يضاهى متانة مقود السيارات الفاخرة التى برعت المانيا فى صناعتها ومن بين هواجسها تلك كماذكر دكتور الدرديرى سجلها الفظ فى افريقيا وعقدة الهولوكوست والتى تقودها لتنفيذ سلوك تعويضى يفتقر للحكمة مثل عدم دعوة السودان لمؤتمر برلين والاكتفاء بتسجيل نقاط فى سجلها الدبلوماسي بانها مثل باريس ولندن تستضيف مؤتمرات بشان قضايا افريقيا الشائكة مثل الوضع فى السودان، وعدم حساسيتها السياسية التى لايمكن معها استبعاد عامل التودد لاسرائيل فعلى الرغم من الدعم الافريقى والعربى لعريضة جنوب افريقيا لمحكمة العدل الدولية متضمنة اتهامها لاسرائيل بالابادة الجماعية للفلسطينيين فى غزة الا ان المانيا ، الى جانب اسرائيل، وقفت بقوة ضد دعوى جنوب افريقيا امام محكمة العدل الدولية المناهضة لسياسات الاحتلال الاسرائيلى..
اصداء التاريخ تطارد مخططى سياساتها فمؤتمر برلين الشهير الذى استضاف بسمارك المشاركين فيه عام ١٨٨٤ دشن الحقبة الاستعمارية scramble of Africa وتقسيم القارة على قوى اوربية سبع وزرع اساس مشكلات الحدود والاثنيات التى لاتزال القارة تعانى منها، وكان لالمانيا نصيب منها فى تنزانيا والكاميرون وتوغو ، ولمحاولة التخلص من ذلك الارث اعترفت المانيا مؤخرا واقرت بارتكابها اول ابادة جماعية فى افريقيا ابان استعمارها لناميبيا وقد احتفلت ناميبيا فى ٢٨ مايو من العام الماضى ٢٠٢٥ بذكرى مقاومة تلك الحقبة وجعلت ذلك التاريخ ذكرى تراعى كل عام وقدمت المانيا ماقيمته مليار يورو لتنفيذ مشروعات على مدى ٣٠ عاما فى المناطق التى تاثرت بالابادة الجماعية لسكانها وهو مارفضته قبائل الهريرو والناما هناك.. ان المانيا تسعى من خلال استضافتها لمؤتمر السودان اعطاء رسالة باهتمامها بقضايا القارة الافريقية ، علماً بانها من الممولين الرئيسيين للاتحاد الافريقى حيث قامت بتسديد ٨٨ مليون يورو لدعم برامجه وسوف يشارك رئيس مفوضية الاتحاد الافريقى محمود على يوسف فى المؤتمر بدعوة منها ، كما تشارك المانيا بقوات منها فى بعض عمليات حفظ السلام كمافى الكونغو الديمقراطية وافريقيا الوسطى ، وفى مساعداتها التنموية لدول القارة الافريقية تربط المانيا ربطا محكماً بين الاموال التى تدفعها والاصلاح السياسي فى الدول المعنية ، ولم يكن نشاط فولكر فى السودان الا ترجمة لذلك التوجه الذى تبتغيه دولته والتى تدرك اهمية السودان حيث كانت المانيا رئيساً مشاركاً لعملية الخرطوم khartoum process الخاصة بالهجرة غير الشرعية .. وتهدف المانيا ان يتم صرف شيك استضافتها لمؤتمر السودان لتحسين صورتها الافريقية خاصة وانها تسعى لكسب تأييد دول القارة لمساعيها للحصول على عضوية دائمة بمجلس الامن فى سياق الجهود المتصلة لاصلاح الامم المتحدة ، بل ان المانيا تسعى لان تحظى بمنصب الامين العام للامم المتحدة عن طريق الدعوة لشغل المنصب بشخصية نسائية التى اطلقتها وزيرة الخارجية الالمانية السابقة انالينا باربوك التى تترأس حتى سبتمبر القادم الدورة الثمانين الحالية للجمعية العامة للامم المتحدة والتى قالت فى بيانها فى مفتتح اعمال الدورة انها ستركز على موضوعات السلام والتنمية واصلاح الامم المتحدة..
مؤتمر برلين يسير على خطى المؤتمرات الفاشلة التى سبقته فى باريس ولندن وعجزها عن تسمية الاشياء باسمائها وعدم الاعتراف بالملكية الوطنية وهى بذلك تطيل آماد الحرب وليس ايجاد الحلول لها، وتنتهك قرارات مجلس الامن والاتحاد الافريقى والجامعة العربية الداعية لاحترام سيادة واستقلال السودان ووحدته الترابية وخياراتة القومية..
