————-
مصطفى عبدالعزيز البطل
………
لم أعتب يوماً، ولم أعترض خلال السنوات الماضية على كتابات صديقتنا الدكتورة أماني الطويل، رغم ما اتسمت به من انحياز واضح وصريح إلى مجموعة «قحت/صمود»، وتماهي لافت مع مواقف الرباعية، التي ظلت الحكومة السودانية تتحفظ عليها وترفضها باستمرار، انطلاقاً من قناعتها بأنها لا تخدم بالضرورة مصالح السودان الوطنية، بل تفتح المجال أمام توظيف الضغوط الخارجية، ولا سيما من جانب دولة الإمارات العربية المتحدة وحلفائها الغربيين، لفرض تصورات واشتراطات سياسية على الدولة السودانية لا تنسجم مع رؤيتها ولا تتوافق مع مصالحها الوطنية.
ذلك أنني كنت ولا أزال أدرك أن الدكتورة أماني الطويل، بصفتها مستشارة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وهو أحد مراكز التفكير المؤثرة في صياغة الرؤى والتوجهات السياسية المصرية، لا تكتب دائماً باعتبارها محللة سياسية مستقلة عن سياق الدولة المصرية ومصالحها، وإنما تعكس في الغالب الأعم رؤى وتقديرات واعتبارات تتصل بحسابات ومصالح الدولة ومتطلباتها التي تقتضي بالضرورة المحافظة على علاقات متوازنة مع مختلف القوى والجماعات المتصارعة في المشهد السياسي السوداني، وهي مصالح نتفهمها ونحترمها ونقدرها حق قدرها.
غير أن التصريحات الأخيرة للدكتورة أماني الطويل والتي بدت مفاجئة لكثيرين تستحق، في تقديري، قراءةً تضعها في سياقها الراهن، ضمن جملة من التطورات والتحركات السياسية الجارية خلف الكواليس. فقد حمّلت الدكتورة الرباعية عموماً، ودولة الإمارات خصوصاً، مسؤولية عرقلة فرص التوافق وإحلال السلام في السودان، نتيجة إصرارهما على إقصاء الإسلاميين واستبعادهم من مسارات الحوار. وفي معرض دعوتها إلى إشراك الإسلاميين في الحوار الذي ترعاه الرباعية، قالت الدكتورة أماني: «إن تجاوز التعقيدات الراهنة يتطلب توافقاً مدنياً–مدنياً يضم مختلف الأطراف». وذكرت “أن «الإسلاميين يمثلون جزءاً مهماً من الواقع السياسي والاجتماعي في السودان».
طرأ هذا التحول المفاجئ في موقف الدكتورة خلال الأسبوع ذاته الذي بدأت فيه الحكومة الفرنسية حواراً في القاهرة مع ثلاثة من فصائل الإسلاميين السودانيين، بإدارة ممثلين عن وزارة الخارجية الفرنسية، وقبل أربعة أسابيع من حوار آخر عقده ممثلون للحكومة البريطانية في القاهرة أيضاً مع ممثلي أحد أجنحة حزب المؤتمر الوطني، بينهم نائب سابق للرئيس عمر البشير.
لذلك فإن النظر إلى هذا التحول المفاجئ لا يمكن ان يتم بمعزل عن المبادرات الأخيرة غير المعلنة، التي أقدمت عليها جهات غربية للتواصل والتشاور مع شخصيات وعناصر من حزب المؤتمر الوطني وفصائل الإسلاميين الأخرى كما سبقت الإشارة، وهي تطورات تعكس إدراكاً متزايداً لدى العواصم الغربية بأن أي مقاربة جادة للأزمة السودانية لا يمكن أن تقوم على استبعاد قوى سياسية واجتماعية ذات حضور وامتداد حقيقيين في البلاد.
لذلك نقول، وبغير كثير حذر، إن هذا التحول في خطاب الدكتورة أماني، وابتعادها عن المواقف المتشددة التي دأبت على تبنيها تجاه الإسلاميين، فضلاً عن تراجعها عن الاصطفاف غير المشروط مع «قحت/صمود» ومواقف الرباعية، لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد اجتهاد شخصي أو مراجعة مستقلة، بل أنه يحمل مؤشراً واضحاً إلى تحولات أوسع في تقديرات السياسة المصرية الرسمية، وكذلك في حسابات بعض الدول الغربية، تجاه الأزمة السودانية ومآلاتها.
ولعل القوى الأكثر وعياً وإدراكاً لحقائق الأشياء على المستويين المصري والدولي، تثمّن هذه المؤشرات وهذه المراجعة الضرورية لإحدى أبرز الفرضيات التي حكمت تعاطي الرباعية مع الأزمة السودانية، والمتمثلة في إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة وفرضها قسراً عبر إقصاء طرف رئيسي من أطراف المعادلة السودانية، أو التعامل معه باعتباره خارج إطار الحوار والتوافق الوطني.
ومهما يكن من أمر، فإن اتساع نطاق الإدراك بأن الرهان على فرض تسوية سياسية في السودان تتجاهل موازين القوى الحقيقية وتستبعد مكونات سياسية واجتماعية راسخة، يبشّر بظهور ضوء في نهاية النفق، فالسلام المستدام لا يُصنع بالإقصاء ولا يُفرض بالضغوط، بل يقوم على الاعتراف بالواقع السوداني بكل تعقيداته، والتوافق مع مختلف قواه السياسية والاجتماعية من دون استثناء أو وصاية.
وهذا، في تقديري، هو الدرس الذي يبدو أن بعض الأطراف بدأت تستوعبه، وإن جاء متأخراً!
