بسم الله الرحمن الرحيم
بين معارضة الحكومة وصون الدولة: حدود الخلاف السياسي والسيادة في زمن الحرب
د. محمد المنير أحمد صفي الدين
من الضروري، قانوناً وسياسياً، التمييز بين الدولة والحكومة، وعدم الخلط بينهما. فالدولة كيان سياسي وقانوني يقوم على الشعب والإقليم والسلطة، ويتمتع بالشخصية القانونية الدولية والسيادة والاستقلال؛ بينما تمثل الحكومة الجهاز الذي يتولى ممارسة السلطة وإدارة شؤون الدولة خلال مرحلة زمنية معينة. ومن ثم، تتميز الدولة بالثبات والاستمرار، فلا يرتبط وجودها ببقاء حكومة بعينها أو نظام سياسي محدد. فالحكومات والسلطات والنظم السياسية تتغير، بينما تستمر الدولة بشخصيتها القانونية وحقوقها والتزاماتها.
وعليه، فإن الخلاف السياسي أو القانوني بشأن شرعية الحكومة، أو طبيعة تكوينها، أو مدى تمثيلها، ينبغي ألا يتحول إلى تشكيك في وجود الدولة ذاتها، ولا أن يصبح مسوغاً للمساس بسيادتها أو استقلالها أو وحدة أراضيها. فالحكومة قابلة للتغيير والمساءلة والمعارضة، أما الدولة فتظل الإطار القانوني والسياسي الجامع للشعب، والإقليم، والمؤسسات، والسيادة.
وفي الحالة السودانية، يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة، فالخلاف حول شرعية الحكومة القائمة أو طبيعة تكوينها لا ينبغي أن يشكل أساساً للانتقاص من سيادة السودان أو استقلاله أو وحدته وسلامة أراضيه. فالاختلاف مع الحكومة شيء، والمساس بحق الدولة، بوصفها وطناً وكياناً سيادياً، في الوجود وممارسة وظائفها الأساسية شيء آخر تماماً.
ومن المؤسف، في هذا السياق، أن بعض القوى السياسية السودانية تبدو، في بعض مواقفها، وكأنها لا تفصل بالقدر الكافي بين معارضة الحكومة القائمة وبين مواقف تفضي، في آثارها العملية، إلى إضعاف الدولة السودانية أو الانتقاص من قدرتها على ممارسة وظائفها السيادية.
فالدعوات التي يوجهها أو يدعمها بعض هؤلاء المعارضين إلى قوى ومؤسسات دولية للتدخل في الشأن الداخلي وفرض حلول خارجية لقضايا ذات طبيعة سيادية لا تقف آثارها بالضرورة عند حدود الضغط على الحكومة، وإنما تمتد إلى الدولة ومؤسساتها. وينطبق ذلك، على سبيل المثال، على الدعوات إلى فرض قيود شاملة على تسليح القوات المسلحة السودانية أو على استخدامها للطيران داخل الأراضي السودانية أو توظيف موارد الدولة وثرواتها مثل الذهب، لما يترتب على هذه الدعوات من تأثير مباشر في قدرة الدولة على حماية إقليمها وسكانها، ولا سيما في ظل حرب تتداخل فيها عوامل داخلية مع امتدادات وتدخلات عبر الحدود.
ولا يكفي تبرير مثل هذه الدعوات بأنها تستهدف وقف الحرب وتحجيم القدرات القتالية للقوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع على السواء؛ إذ يغفل هذا التبرير مسائل قانونية وعملية جوهرية.
أولاً: القوات المسلحة مؤسسة عسكرية تابعة للدولة السودانية وجزء من بنيتها السيادية. والدولة، بصفتها شخصاً من أشخاص القانون الدولي، تملك حق الدخول في علاقات واتفاقات دولية، بما في ذلك في مجالات التعاون الدفاعي والأمني، مع مراعاة التزاماتها الدولية والقرارات الملزمة الصادرة عن الجهات الدولية المختصة. كما يعترف ميثاق الأمم المتحدة، وفق المادة 51، بالحق الأصيل في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، ضمن الضوابط التي يقررها الميثاق.
أما مليشيا الدعم السريع، فلا تتمتع بصفة الدولة ولا بالشخصية القانونية الدولية التي تتمتع بها الدولة ذات السيادة. ومن ثم، فإن خضوعها، بوصفها طرفاً في نزاع مسلح، لقواعد القانون الدولي الإنساني لا يجعل مركزها القانوني أو السياسي مماثلاً لمركز الدولة أو مؤسساتها السيادية.
ثانياً: حتى إذا افترضنا، جدلاً، أن فرض قيود متزامنة على قدرة القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع على الحصول على السلاح يمكن أن يسهم في وقف الحرب، فإن القضية لا تتعلق بنطاق تلك القيود في نصوص القرارات فحسب، بل أيضاً بمدى القدرة على مراقبة الالتزام بها من قبل الطرفين بالفاعلية نفسها، وبالأثر الفعلي المترتب علي إنفاذها، والقدرة على تطبيق عقوبات متساوية على الطرفين في حالة خرق القوانين والتدابير.
فالتعاملات الرسمية للدولة تكون، بحكم طبيعتها، أكثر ظهوراً وقابلية للرصد والتدقيق، لأنها تتم من خلال علاقات دبلوماسية واقتصادية ومالية وعسكرية رسمية مع الدول والمؤسسات الدولية. أما الجماعات المسلحة غير الحكومية، فغالبا ما تعتمد في التمويل والتسليح والتحرك على شبكات وقنوات غير رسمية أو سرية يصعب إخضاعها للمستوى نفسه من الرقابة.
ويزداد هذا التفاوت وضوحاً عند مخالفة قرارات مجلس الأمن أو التدابير الدولية ذات الصلة. فالدولة، بحكم شخصيتها القانونية الدولية وانخراطها في منظومة العلاقات بين الدول، تكون أكثر انكشافاً أمام أدوات الضغط والعقوبات التي تُنفذ من خلال تلك المنظومة. أما الجماعات المسلحة، فعلى الرغم من إمكان استهدافها وقادتها وأصولها وشبكات دعمها بعقوبات دولية، فإن الطبيعة غير الرسمية لأنشطتها وقنوات تعاملها تجعل إنفاذ تلك التدابير بحقها أكثر تعقيداً من الناحية العملية.
ومن هنا، فإن المساواة في نص القيود لا تعني بالضرورة المساواة في القدرة على إنفاذها أو في آثارها العملية. فإذا كانت آليات الرقابة والتنفيذ أكثر قدرة على ضبط تعاملات الدولة الرسمية من قدرتها على كشف وتعطيل شبكات الإمداد السرية للجماعات المسلحة، فسوف تنتهي القيود المتساوية في ظاهرها إلى نتائج غير متساوية في الواقع، فتقيد قدرة الدولة ومؤسساتها بدرجة أكبر من قدرتها على وقف وصول السلاح والموارد إلى الجماعة المسلحة.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الدولة والطرف المسلح غير الحكومي. فالدولة ليست مجرد طرف في القتال، وإنما هي شخص من أشخاص القانون الدولي، وما يفرض عليها من تدابير قد تتجاوز آثاره المؤسسة العسكرية ذاتها إلى قدرتها على ممارسة بعض وظائفها السيادية. أما الجماعة المسلحة، فتختلف عنها في طبيعتها القانونية وفي بنيتها وشبكات تعاملها، وبالتالي في طبيعة الأدوات المتاحة لمراقبتها وإنفاذ العقوبات عليها.
ثالثاً: إن اختلاف المركز القانوني بين الطرفين لا يعفي أياً منهما من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. فإخضاع القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع لتلك القواعد لا يعني مساواتهما في المركز القانوني أو السياسي، ولا يمنح مليشيا الدعم السريع صفة الدولة أو السيادة أو اعترافاً سياسياً بها. فالقانون الدولي الإنساني يرتب التزامات على أطراف النزاع المسلح بصرف النظر عن مركزها السياسي، من دون أن يؤدي تطبيق تلك القواعد، في ذاته، إلى تغيير وضعها القانوني.
ويجد هذا المبدأ أساساً واضحاً في المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، التي تقرر الحد الأدنى من القواعد الإنسانية الواجبة التطبيق في النزاعات المسلحة غير الدولية، وتنص في الوقت نفسه على أن تطبيق تلك الأحكام لا يؤثر في الوضع القانوني لأطراف النزاع. ومن ثم، فإن المساواة في الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني لا تعني المساواة في المركز القانوني والسيادي. فغاية هذه القواعد هي حماية الإنسان والحد من آثار النزاع المسلح، لا منح الجماعات المسلحة صفة الدولة أو السيادة أو مساواتها قانونياً بالدولة التي تقاتلها.
وهكذا فإن التمييز الضروري يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: المساواة في الالتزام بالقواعد الإنسانية لا تعني المساواة في المركز القانوني؛ والمساواة في القيود لا تضمن المساواة في القدرة على إنفاذها؛ والمساواة في التدابير المعلنة لا تعني بالضرورة تماثل آثارها العملية، مثل إنزال العقوبات بنفس القدر والأثر على الدولة والمليشيا في حالة انتهاك القرارات الدولية. وهذه الفروق تصبح أكثر أهمية في زمن الحرب، حين يمكن أن تتجاوز نتائج القرارات والمواقف السياسية الحكومة القائمة لتطال الدولة ومؤسساتها وقدرتها على حماية شعبها وإقليمها.
وبذلك يصبح موضع الخلاف أكثر وضوحاً: يجوز الاختلاف مع الحكومة، والطعن في شرعيتها، ومعارضة سياساتها، والمطالبة بتغييرها بالوسائل المشروعة؛ لكن هذا الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى موقف ينتقص من الدولة ذاتها، أو من سيادتها، أو من قدرتها المشروعة على حماية شعبها وإقليمها وضمان استمرار مؤسساتها. فالحكومة مرحلة في حياة الدولة؛ أما الدولة فهي الإطار الدائم الذي يجمع الشعب، والأرض، والمؤسسات، والسيادة. عليه، أنا شد أولئك السياسيين أن يكفوا عن إلحاق الضرر بعيد المدى والأثر على الوطن والمواطن باسم معارضة الحكومة القائمة، إذ أن هذه الأفعال تدخل في نطاق خيانة الوطن من جانب والانتحار السياسي من جانب آخر.
