بقلم السفير عبد المحمود عبد الحليم/
.. صعد الرئيس الفنزويلى السابق هوغو شافيز إلى منصة الخطابة بقاعة الجمعية العامة للامم المتحدة فى دورتها عام ٢٠٠٦ بعد يوم من خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ، فبدأ بتغطية انفه وقال مستخفاً بالرئيس بوش ” لقد جاء الشيطان إلى هنا بالأمس ومازالت رائحة الكبريت تفوح فى هذا المكان حتى الان ” وقال ان رئيس الولايات المتحدة طاغية وكاذب..ثم استعاذ من ” الشيطان” برسم علامة الصليب على صدره .. اعاد ماقام به شافيز إلى الأذهان من على ذات المنبر عام ٢٠٠٩ قيام الرئيس معمر القذافى بتمزيق كتيب ميثاق الامم المتحدة إقرارا بفشلها فى نهاية بيانه المطول امام تلك الدورة التى كانت رئاستها قد آلت لوزير الخارجية السابق ومندوبها لدى الامم المتحدة على عبد السلام التريكى …مساجلات نيويورك تملأ الدنيا عادة وتشغل الناس وتتناقلها الاجيال ، فماتزال حاضرة حادثة تمزيق وزير خارجية باكستان وقتها ذو الفقار على بوتو لمشروع قرار مجلس الامن عام ١٩٧١ الذى وصفه بوتو بانه يشرعن ويكافئ الهند على عدوانها وحربها على باكستان التى ادت لولادة بنغلاديش ،وقد صرخ فى وجه الوفود والتى كان من بينها مندوب الولايات المتحدة السفير بوش الاب انه لايريد اضاعة الوقت مع مثل هذا المجلس المنحاز قبل ان يغادر القاعة منسحباً مع افراد وفده… اما حذاء خروتشوف الذى طرق به وبقوة منضدة الجمعية العامة احتجاجاً على هجوم مندوب الفلبين على السياسات السوفيتية فقد فاقت شهرته ” حذاء الفيفا الذهبى ” الذى فاز به من النجوم الكبار جارنيشيا واوزيبيو ورونالدو وكليان امبابي قبل ان يطل من وراء القرون لقاعة مجلس الامن “شسع نعل كليب” باستدعاء سودانى…
غريبة ايضا أقدار السياسة.. يعود شافيز إلى بلاده فيفتك به داء عضال .. ويعود وزير خارجيته ونائبه الرئيس مادورو إلى مانهاتن ليس بمبعدة عن مبنى الامم المتحدة ،الذى وصفه بطرس غالى فى كتابه انه ” مبنى من زجاج” ، مأسوراً بقرصنة امريكية… اما القذافى فقد استهدفت موكبه الهارب إلى سرت طائرات الناتو وتم الاجهاز عليه فى ذلك المخبأ… ويلقى بوتو حتفه بمقصلة نصبها له إعداماً الجنرال ضياء الحق ولم تغفر له انه كان وراء قنبلة الردع النووى الباكستانية، ثم تضحك الأقدار على ضياء الحق فتقتله مانجو البنجاب التى كان يحب تذوقها فيلقى حتفه فى حادث سقوط طائرته بسبب كراتين مانجو كانت مفخخة وحملت على متنها، ويرحل خورتشوف والاتحاد السوفيتى القديم مثل رحيل الفصول لايفان بونين فى ” تفاح انطونوف” وتغير المواسم فى “بستان الكرز ” لانطون تشيخوف ….
غاب هؤلاء وبقيت اصداء مواقفهم…
..فى قاعات الامم المتحدة يلقى الدبلوماسيون كلماتهم كمن يغرس فى الريح راية.. يقفون خلف المنابر بملامح حاسمة ثم يحملون أوراقهم ويغادرون.. تطفأ خلفهم الأضواء وتخلو المقاعد لكن الصدى لايموت بل يترك اثرا يرفض الزوال وتولد من رحمه الدروس المستفادة والمواقف… قد يغيب الصوت خلف استار الزمن لكن يبقى الصدى حارساً للتاريخ…..
