لا للهدنة .. نعم للحوار

تأملات

جمال عنقرة

يبدو أن اضطرابا وتشويشا قد حدثا في الفهم لدي كثيرين، لموقفين ظاهرهما التناقض، وهما في الأصل مختلفان تماما، رفض الهدنة الأمريكية التي برفضها رفضت الحكومة الأمريكية منح الرئيس البرهان تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الدورة الواحد وثمانين للجمعية العمومية للأمم المتحدة، وبين تواصل الحوار من أجل تحقيق السلام.

وجه الخلاف الأساسي أن الهدنة التي تبنتهتها الإدارة الأمريكية ليست بقصد التهيئة للسلام، ولا من أجل توصيل مواد اغانية للمواطنين في مناطق الحرب، وإنما هي هدنة الهدف منها وقف زحف الجيش نحو معاقل الدعم السريع في دارفور بعد أن استطاع تنظيف كثير من اراضي كردفان، وصار قاب قوسين أو ادني من تخوم دارفور.

أما الحوار من أجل تحقيق السلام، فهو مطلوب، ومنطقي، بل حتمي، ذلك انه لا توجد حرب تنتهي بابادة شاملة لاحد الطرفين، فلا بد أن تنتهي بتفاوض، وجلوس علي طاولة الحوار، والموافقة علي الحوار، والسعي في دروبه، لا يوقف الاعداد للقتال، وخوض معاركه، والانتصار علي الأرض هو الذي يعزز الموقف التفوضي، فالرئيس المصري محمد أنور السادات لو لم ينتصر في حرب أكتوبر، ويحقق العبور، لما نجح في تحقيق السلام في كامب ديفد، ولما استعاد سيناء وغيرها من الأراضي التي كانت مغتصبة، ولو يذكر الناس عندما كانت تجري مفاوضات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية، واستولت الحركة الشعبية علي منطقة توريت، سحبت الحكومة وفدها التفاوضي، وخاضت معارك شرسة ضد الحركة الشعبية، حتى استردت منطقة توريت، بعدها عاد الوفد الحكومي للمفاوضات، التي استمرت حتى تحقق السلام.

والمطلوب الان أن تسير الحكومة في الاتجاهين معا، الاتجاه العسكري الذي يعمل علي تحرير الأرض، واتجاه الحوار الذي يسعي إلى تحقيق السلام، وهنا لا بد من لفت النظر الى مسائل مهمة، وهي أن الذين احتشدوا خلف القوات المسلحة لتحقيق النصر العسكري، هم ذاتهم الذين يسندون ظهر الحكومة لتحقيق السلام، فالسلام يحققه اهل الوجعة، ولا يحققه السماسرة والمرتشون،

الأمر الثاني، من حق أي طرف أن يرفع سقف مطالبه إلى اعلي سقف، والموقف علي الأرض هو الذي يحسم تلك السقوف.

الحكومة تقف مقام ام الولد التي تتنازل عنه في سبيل أن يعيش، الا أن هناك مسائل غير قابلة للتنازل، ولا حتى أن تكون ضمن أجندة الحوار، اولها وأهمها أن السودان بلد واحد، وحكومة واحدة، وجيش واحد، وجيش واحد هذا ينطبق علي قوات الدعم السريع، وكل القوات الأخري، سواء التي كانت تقاتل مع الدعم السريع، أو تناصر القوات المسلحة وتشاركها القتال في معركة الكرامة.

الأمر الثالث المهم، أن اي سلام يتحقق لا تترتب عليه محاصصة في الحكم، ولا تقسيم للثروات، فالحكم في مرحلة التأسيس التي تعقب السلام ووقف الحرب، للقوات المسلحة، وتختار له الكفء القوي الأمين، ويكون من أهل التجربة والاختصاص، وفي تقديري أن عدم المحاصصة يجب ألا يكون حائلا دون مشاركة الكفاءات المهنية، ذوي الانتماءات السياسية والحزبية، ولكن المشاركة تكون لكفاءته، وليس لانتمائه الحزبي، الذي يجب ألا يقدم أحدا لوظيفة عامة، ولا يحول دون احد اذا اهلته كفاءبه لذلك.

أما مشاركة الاحزاب والقوي السياسية في الحكم تكون بعد أن يقول الشعب كلمته في انتخابات حرة نزيهة متاحة لكل اهل السودان بلا استثناء.