المسافة النقدية بين المشاركة والمساءلةتعقيب على مقال عبدالمنعم الجاك

الواثق كمير
kameir@yahoo.com
تورونتو، 29 سبتمبر 2026

قرأت باهتمام مقال الأخ العزيز عبدالمنعم الجاك، “دكتور الواثق كمير: بين ثلاث مقالات وأسبوع واحد… المسافة النقدية ولجنة تهيئة الحوار” (سودانايل، 20 سبتمبر 2026)، وأشكره على اهتمامه بمتابعة مقالاتي الثلاثة والربط بينها، وعلى كلماته الكريمة عن تجربتي الفكرية والسياسية. وأقدّر كذلك ما أثاره من أسئلة نقدية، لا سيما السؤال المتعلق بقدرة المثقف على الاحتفاظ بمسافته النقدية حين يصبح مشاركاً في تجربة سياسية، بدلاً من الاكتفاء بالتعليق عليها من خارجها.

وأعتقد أن هذا السؤال هو الأجدر بالنقاش، بعيداً عن إعادة السجال حول لجنة تهيئة الحوار، الذي تناولته في مقالات سابقة، وطرحت بشأنه مواقف وأسئلة لا أرى ضرورة لتكرارها هنا.

فالمسافة النقدية، في فهمي، ليست مسافة جغرافية أو تنظيمية تُقاس بمقدار الابتعاد عن المؤسسات والمبادرات، وإنما هي موقف فكري وأخلاقي يقتضي الاحتفاظ بحرية التفكير والحكم والمراجعة، وعدم تحويل الانتماء أو المشاركة إلى التزام بالدفاع عن كل ما يصدر عن الجهة التي ننتمي إليها.

ومن ثم، فإن المشاركة في تجربة سياسية أو مدنية لا تعني بالضرورة فقدان تلك المسافة، كما أن الوقوف خارجها لا يمنح صاحبه، بمجرد ذلك، استقلالاً نقدياً. فقد يكون المرء خارج المؤسسة، لكنه أسير موقف مسبق منها، مثلما قد يكون داخلها محتفظاً بقدرته على نقدها والاختلاف معها. والعبرة، في الحالتين، ليست بالموقع وحده، وإنما بكيفية ممارسة النقد، والاستعداد لمراجعة المواقف في ضوء الوقائع.

لكن هذا التمييز لا يعفي المشارك في التجربة من مسؤولية إضافية. فحين يصبح المثقف طرفاً في مبادرة يدافع عن فكرتها، يصبح مطالباً بأن يطبق على تجربته المعايير نفسها التي يحتكم إليها في نقد تجارب الآخرين، وألا يتخذ من موقعه داخلها مبرراً لتبرير أخطائها أو التقليل من شأن الاعتراضات الموجهة إليها. وهنا أجد في سؤال منعم ما يستحق التوقف عنده: هل يمكن أن يتحول الدفاع عن فكرة نؤمن بمشروعيتها إلى دفاع غير مشروط عن التجربة التي تتبناها؟ نعم، هذا احتمال قائم، وهو من المخاطر التي ينبغي أن ينتبه إليها كل من يجمع بين الاشتغال الفكري والمشاركة في العمل العام. وقد لا يبدأ الانحياز بتبرير خطأ واضح، وإنما بالتساهل التدريجي مع ما كنا نراه غير مقبول حين يصدر عن الآخرين.
ولذلك، فإن المسافة النقدية لا تُثبت بإعلان التمسك بها، ولا بمجرد كتابة المقالات عن ضرورتها، وإنما تُختبر حين تتعارض مقتضياتها مع اعتبارات الانتماء والزمالة والالتزام بمشروع نرى فيه إمكانية للإسهام في الشأن العام. ومن هذا المنطلق، لا أرى في عضويتي في لجنة تهيئة الحوار ما يمنحها حصانة من النقد، أو يجعلني حكماً على سلامة تجربتها. كما لا أرى في مشاركتي فيها ما يلزمني بالدفاع عن كل ما يصدر عنها. بل إن هذه المشاركة تجعل مسؤوليتي عن مساءلة التجربة، وعن موقفي الشخصي منها، أكثر مباشرة.

وفي المقابل، لا أعتقد أن الاحتفاظ بالمسافة النقدية يستلزم الامتناع عن المشاركة في كل تجربة لم تكتمل شروطها، أو الانسحاب منها لمجرد وجود اعتراضات عليها. فالمشاركة نفسها قد تكون مجالاً لمحاولة معالجة أوجه القصور، شريطة ألا تتحول هذه المحاولة إلى مبرر للاستمرار مهما كانت النتائج، أو إلى ذريعة لتأجيل مواجهة خلل ثبت تعذر إصلاحه. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المثقف داخل التجربة أم خارجها، بل ما إذا كان يحتفظ بحريته في مساءلتها، وباستعداده لتحمل ما قد يترتب على هذه المساءلة من مراجعة لموقفه، بما في ذلك مغادرة التجربة إذا فقدت المبررات التي دفعته إلى المشاركة فيها.

ولذلك، اقول لمنعم: لا أتعامل مع سؤالك بوصفه اتهاماً يستوجب الدفاع عن النفس، وإنما باعتباره تذكيراً بمعيار ينبغي أن يظل حاضراً في ممارسة العمل العام. وهو معيار لا أطالب الآخرين وحدهم بالالتزام به، بل أقبل أن أخضع أنا نفسي للمساءلة على أساسه. فالمسافة النقدية لا تُقاس بما نقوله عن استقلالنا، وإنما بما نفعله حين يصبح الاحتفاظ بهذا الاستقلال أكثر كلفة من التخلي عنه. وهذه، في تقديري، هي المسألة التي تستحق أن تبقى مفتوحة للنقاش، بصرف النظر عن مآلات أي تجربة بعينها.