أفريقيا والحوارات الوطنية

بقلم السفير عبد المحمود عبدالحليم

​تعكس الاحصائيات المتصلة بنشاطات مجلس الامن ان القضايا والنزاعات الافريقية تصل نسبتها الى ٧٠ بالمائه من جدول اعماله ، كما توضح احصاءات اخرى ان القارة تشهد حوالى ٥٠ نزاعاً نشطاً تتراوح موضوعاتها بين حروب اهلية ونزاعات حدود وصراعات موارد وتمرد جماعات مسلحة وعدوان خارجى كما تستقطب افريقيا نحو ٦٠ بالمائه من عمليات حفظ السلام الدولية ، واذا كان لهذه الحروب والنزاعات اسباباً تقليدية مثل الارث الاستعماري ، والحرب الباردة ، والاوضاع الاقتصادية ، فان موجات جديدة من مسببات الصراع والاحتراب وعدم الاستقرار قد اطلت برأسها مثل التغيرات المناخية والبيئية ، وتنافس القوى الدولية وصراعاتها ، وطموحات القوى الاقليمية الصاعدة ، وصراعات النفوذ والتنافس حول المنافذ البحرية والموانئ ومعادن المستقبل ، والمهددات الامنية المؤججة بالاستخدامات السالبة للتكنولوجيا الحديثة والرقمية علاوة على ازمات الشرعية والانتقال ، والمديونية ، وبطالة الشباب في قارة شابة حيث ادى عدم الاستثمار الفاعل لهم الى تحولهم لمهدد امنى باستغلالهم كوقود للتمليش والتمرد والعنف ، علاوة على المشكلات الناجمة عن تطاول بقاء اللاجئين والهجرات الديموغرافية والاستيطانية، وغيرها ..

​ظلت امر حل وتسوية المنازعات هما متصلا للدول والمنظمات الاقليمية والتشكيلات شبه الاقليمية والمنظمات الدولية، وكان هماً قبل ذلك للدول الافريقية بعد الاستقلال وقبله كذلك من خلال سعيها لتسوية المنازعات عبر مجالس الحكماء والشيوخ واليات الادارات الاهلية باستخدام الاعراف والتقاليد والعدالة التصالحية ، وقد خرجت دول القارة بعيد نيلها الاستقلال مثقلة بمخاضات التحرير وعسر الانتقال فشهدت الكونغو في ١٧ يناير ١٩٦١ تصفية واعدام رئيس وزرائها الاول باتريس لوممبا ، وكانت افريقيا تعكف على لم صفوفها واطلاق كيانها القارى ، منظمة الوحدة الافريقية عندما اغتيل ايضا وبذات المخطط المبذول من قبل قوى داخلية وخارجية في ١٣ يناير ١٩٦٣ سيلفانوس اولمبيو اول رئيس لجمهورية توغو ، وادى ذلك الى ان يتصدر مبدأ ” ادانة الاغتيالات السياسية” ميثاق منظمة الوحدة الافريقية الذي تم اعتماده باديس ابابا في ٢٥ مايو ١٩٦٣ حيث ارتأى الآباء المؤسسون ان يشكل الميثاق مدونة للسلوك بين الدول وداخلها وحل النزاعات وتامين استقرارها فنص بوضوح على عدم التدخل فى الشئون الداخلية وعدم جواز تعديل الحدود الموروثة عن الاستعمار واحترام السيادة والسلامة الاقليمية للدول والحل السلمى للمنازعات والتضامن الافريقى والتعاون الدولى ، ولئن اتسمت تجربة منظمة الوحدة الافريقية في حل النزاعات بالتواضع فقد اضحت كذلك تجربة الاتحاد الافريقي الذي اجاز ميثاقه التاسيسي التدخل بل وتعليق نشاطات الدول في حالات” التغييرات غير الدستورية ” وتبنى الاتحاد نهجا اكثر حركية عبر الية ” مجلس السلم والأمن الافريقى ” ، والقوة الافريقية المعدة للتدخل ، ومجلس الحكماء ، وحل النزاعات ايضا عبر التجمعات الاقتصادية على المستوى الاقليمي وشبه الاقليمي … وقد اثيرت خلال حوارات اصلاح الاتحاد الافريقي انتقادات لدوره في حل النزاعات وخاصة العقوبات المتصلة بتعليق نشاطات الدول الاعضاء على اساس ان الاتحاد يعاقب الدول بتعليق نشاطاتها فى الوقت الذى كان ينبغي ان يكون اكثر انخراطا وقربا منها ومساعدتها في تجاوز عقبات ومخاض الانتقالات السياسية والمدنية ، كما اثير امر دور التمويلات الخارجية للاتحاد فى التاثير على خياراته وسياساته …. اما دور الامم المتحدة وتجربتها في حل النزاعات الافريقية فليست باحسن حال ، فالامم المتحدة والتي سلفت الاشارة الى ان نسبة قضايا افريقيا في اجندة مجلس امنها تصل الى ۷۰ بالمائة، لها كاتلوج معلوم اوله ارسال قوات حفظ السلام ، رغم عدم وجود سلام ليحفظ فتطيل القوات امد النزاع, خاصة وان بعض الدول التي اعتادت المشاركات في عمليات الامم المتحدة تضغط لاستمرارها كنشاط مدر للعملة الصعبة لبلاد على ان أكثر ما يثير الانشغال هو ظاهرة ارتداد النزاع وعودته او ما يعرف بال Conflict Relapse اذ تقول الامم المتحدة و معهد استكهولم الدولى لابحاث السلام ” سيبرى ان معدل الارتداد العام نسبته ٤٠ الى ٥٠ بالمائة خلال السنوات الخمس الحرجة الأولى.. وادى ذلك الى ان تسعى الامم المتحدة الى معالجة ذلك عبر وسائل من بينها الاتجاه الى ” بناء السلام ‘ عوضا عن حفظ السلام التقليدى والاهتمام بالانذار المبكر وربط الامن بالتنمية وارسال بعثات سياسية متعددة الأبعاد وتعزيز عمل لجنة بناء السلام وتشكيل الية استشارية للمتابعة استحدثها مجلس الأمن بالتعاون مع الجمعية العامة والتركيز على اعادة الاعمار والاستعانة ايضا بالمبعوثين الخاصين للتواصل مع هذه الدول ،

​ويعود الفشل في حل النزاعات او ارتدادها وعودتها اجمالا للاسباب التالية : الفشل فى معالجة جذور الازمات / عدم الالتزام باتفاقيات السلام وغياب الارادة السياسية / ايلاء الاهتمام الاكبر بتوزيع مناصب السلطة والثروة / ضعف وهشاشة مؤسسات الدولة / التدخلات الخارجية غياب برامج ال DDR او ضعفها / استبعاد واقصاء القوى السياسية الفاعلة / تهميش القطاعات المجتمعية ذات التاثير مثل المرأة والشباب غياب سلطة القانون والامن والقضاء / انهيار او ضعف الاقتصاد مما يجعل التمليش خيارا اقتصاديا جاذباً /…. ان انتعاش ظاهرة المرتزقة القادمين من امريكا الجنوبية تعكس بجلاء ، ضمن جملة امور اخرى ، عدم مقدرة المواعين الاقتصادية التي اعقبت توقيع اتفاقيات السلام هناك على استيعابهم او عدم فاعلية ونجاعة برامج ال DDR ، او الاهمام بحصول القيادات على مواقع السلطة والثروة على حساب القواعد العريضة …

​لم تكن خيارات الحوار السياسى بين الفرقاء في نزاعات القارة الافريقية بغائبة عن مسرح الاحداث وخاصة عند المحطات والتحولات الكبرى، ولم تكن التدخلات الخارجية بسيناريوهات ومداخل متنوعة غائئبة كذلك عبر دعاوى وشعارات العمل الاغاثي والمساعدات والدبلوماسية الانسانية ، او عبر مداخل الامن المشترك ومكافحة الارهاب ودعاوى تامين الاستقرار والسلام العالمي، والناظر لكثير من المبادرات التي تتقدم بها الاطراف الخارجية لحل نزاعات السودان والكونغو الديمقراطية مثلا تشمل عناصرها انشغالات هذه الاطراف الخارجية التي ليست بالضرورة معضلات او هموما داخلية بالدرجة الأولى ، وكمثال اخر على دفع تلك الاطراف باجندتها وانشغالاتها ان القوى الغربية ، وقد ادركت ان ايام الابارتيد اصبحت معدودة وان نظام حكم الاغلبية السوداء لامحالة آت سعت مع حكومة الابارتيد الى ان تتخلص جنوب افريقيا من قدراتها النووية فلاتكون متاحة ومصدر قوة لافريقيا ولحكومة المؤتمر الوطنى الافريقى فتم تفكيكها .. لم يكن السعى للحوار غائبا بين الفرقاء او المنتصرين فى تلك النزاعات الافريقية ، واذا كانت حوارات الكوديسا التي انهت نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا هي الأشهر عالميا فقد سبقتها حوارات اخرى متعددة وهامة مثل ” مؤتمر الحوار الوطنى في بنين” عام ۱۹۹۰ والذي يعد ملهما للكثير من دول غرب افريقيا حيث نجح المؤتمر في انهاء حقبة الرئيس ماثيو كريكو وتعبيد الطريق نحو النظام الديمقراطي في البلاد بدون اراقة دماء ، وتتالت عدة موتمرات خلال الاعوام المنصرمة مثل المؤتمر الوطنى فى الكونغو ۱۹۹۲/۱۹۹۱ واتفاق لوساكا بشأن الكونغو ايضا عام ۱۹۹۹ اثر ماعرف بالحرب العالمية الافريقية وتعارك ٦ جيوش افريقية فيها ، وخلال الايام القليلة الماضية دعا رئيس الجمهورية هناك في لقاء له مع رجال الدين الى مؤتمر جديد لتوحيد الرؤى الوطنية ، ومن الحوارات ايضا اتفاقية اروشا للسلام في بوروندی عام ۲۰۰۰ والحوار الوطني الكيني الذي عمل الامين العام الاسبق للامم المتحدة كوفى انان مسهلا له اثر انتخابات ۲۰۰۷ الدامية ، وقد انتج ذلك الحوار دستور كينيا الجديد عام ۲۰۱۰ ، ثم شهدت تونس عام ۲۰۱۳ ” الحوار الرباعى ” الشهير الذي اضطلع به ” الاتحاد التونسي العام للشغل ” و الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية و ” الهيئة الوطنية للمحامين ” و ” الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ” وقد تخلت حركة النهضة عن السلطة بموجب ذلك لصالح حكومة كفاءات مستقلة …. وفى موريتانيا يتوقع عقد نسخة جديدة من حواراتها الوطنية لتعزيز وحدتها الوطنية وادارة التنوع… اما فى اثيوبيا فانه ينتظر ان تقدم مفوضية الحوار الوطني للبرلمان فى ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ تقرير وتوصيات مؤتمر الحوار الوطني الذي يأتى وصلا لتطورات حقبة ما بعد سقوط منقستو هایلی مریام واهمها مؤتمر لندن للسلام فى اثيوبيا يومى ۲۷ و ۲۸ مایو ۱۹۹۱ بمشاركة هيرمان كوهين مساعد وزير الخارجية الامريكي للشؤون الافريقية وهو المؤتمر الدى تم فيه التوافق على ترتيبات حكم الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الاثيوبية EPRDF بما في ذلك اعتماد ” الفيدرالية العرقية ” و”حق تقرير المصير ” …. وقد شهدت الفترة التي اعقبت رحيل ملس ص وترجل ديسالين وتسلم ابي احمد احداثا مزلزلة من بينها تدنى سطوة وسلطة التقراى وحرب المركز والتقراى وتردى علاقات اديس ابابا واسمرا وما يواجهه نظام احمد حاليا من تهديدات خطيرة ، على انه تجدر الاشارة في هذا السياق لمبادرة الحوار الوطنى التى اطلقها ابي احمد وقام البرلمان في ٢٩ ديسمبر ۲۰۲۱ بانشاء ” مفوضية الحوار الوطني الاثيوبي ” التى بدأت جلسات مؤتمر حوارها في ١٥ يوليو وحتى ۲۲ اغسطس ۲۰٢٦ ، وعمدت خلال السنوات التي اعقبت قيامها الى بناء هياكلها وخضوع منسوبيها للتدريب والوقوف على التجارب الدولية للحوارات الوطنية واقامة مكاتبها الفرعية والتواصل مع قطاعات الشعب المختلفة وزيارة آلاف الدوائر فى الارياف والمراكز الحضرية بهدف مشاركة المواطن والاطياف المجتمعية في تحديد الاجندة واجتراح الحلول ، ويتكون القوام المؤسسى للمفوضية من ١١ مفوضا تم اختيارهم عبر عدة مراحل بدأت باختيار شعبي مباشر للشخصيات المستقلة والمؤهلة فاق عددهم ٦٠٠ خضعوا للفحص وتم اختيار ٤٢ كقائمة مصغرة ليصل الاختيار النهائى ل ۱۱ مفوض سخرت المعارضة من تعيينهم على اساس انهم خيار الحزب الحاكم والحكومة، وقد شارك في مؤتمر الحوار حوالى 4 الف شخص وشملت موضوعات البحث 8 محاور بناء الامة والهوية الوطنية هيكل ونظام الحكم / وضع ومستقبل المدن الفيدرالية الشؤون الدينية وتعزيز التعايش بناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الانسان القضايا الاقتصادية والاجتماعية وشؤون المزارعين والرعاة مكافحة الفساد والحكم الرشيد / بناء السلام والمصالحة الوطنية…. رحبت الدول الغربية بمبادرة الحوار وقدم الاتحاد الاوربي ودول غربية 50 بالمائه من الميزانية التشغيلية للمفوضية الى جانب لوجستيات التدريب والمكاتب والاعداد الفنى للجلسات بتنسيق مع برنامج الامم المتحدة الانمائي ، ومن المتوقع ان تقدم المفوضية للبرلمان التقرير والتوصيات في ٢٠ سبتمبر ۲۰٢٦ حيث ان ولاية البرلمان تنتهى في ۲۹ سبتمبر ٢٠٢٦ وهو يعنى نهاية عمل المفوضية ان لم يكلفها البرلمان الجديد بالاستمرار ومراقبة تنفيذ التوصيات التي قيل ان اهمها ما تجاوزت نسبة التوافق عليه ال ٧٥ بالمائه و هي / الانتقال للخيار الرئاسي ودمج صلاحيات رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية الفترة المحددة للتكليف الرئاسي دورتين الواحدة ٥ – ٦ اعوام / مراجعة حق تقرير المصير / دمج المجموعات المسلحة فى الحياة السياسية الحرية الدينية الاهتمام بالرموز السياسية كأن يتم بدلا عن النجمة في العلم وضع رمز وطنى لمعركة عدوة او سد النهضة.. وفى الوقت الذي اشار فيه مراقبون الى ان عدم مشاركة المعارضة والحركات المسلحة تضعف من الحوار وصورته، قالت جبهة التقراى المهتمة بحق تقرير المصير ان قرارات الابواب المغلقة تهدف لتحسين صورة النظام الدولية وتكريس سلطة ابي احمد ، وحذرت منظمات محلية من مغبة ما اسمته باجندات مشبوهة مثل تعديل الوضع الاداري للعاصمة…

​.. علينا ان نتغير او نستعد للفناء ……..

بتلك الصيحة الداوية التي اطلقها ديكليرك رئيس حكومة الابارتيد في جنوب افريقيا كان نظام الاقلية البيضاء يترنح وتدنو نهايته باستعار كفاح التحرير وضغوط الداخل والخارج غير المسبوقة وعزله ومقاطعته وتصنيفه كجريمة ضد الانسانية ، و اغقب ذلك تطورات بالغة الأثر فيتم اطلاق سراح نلسون مانديلا وفك حظر الاحزاب وعلى راسها المؤتمر الوطنى الافريقى والعفو العام عن المقاتلين، وتدخل تاريخ الحوارات المفضية لولوج الحلول السلمية عبارة الكوديسا ، المنصة التفاوضية ” من اجل جنوب افريقيا ديمقراطية–

Convention for a Democratic South Africa -CODESA

وذلك بهدف انهاء نظام الفصل العنصري وتاسيس نظام ديمقراطى تعددي وصياغة دستور جديد يضمن حقوق الجميع بدون تمييز.. انطلقت أولى جلسات الفرقاء بمركز التجارة الدولي بجوهانسبرج فى ديسمبر – ۱۹۹۱ بمشاركة 19 حزبا وتشكيلا سياسيا تم توجيه الدعوات اليها بواسطة ” لجنة تسيير” مشتركة من الجانبين وتولت كامل تمويل العملية حكومة ديكليرك، وتم اختيار قضاة رفيعي المستوى من التظام لرئاسة الاجتماعات التي قاطعتها احزاب بيضاء وسوداء فغاب المؤتمر الافريقي لازانيا PAC رافضا التحاور مع نظام غير شرعى وان عليه الاستسلام وليس منحه شرعية ونادى باعادة ملكية الاراضي للسود وقاطع حزب AZAPO المفاوضات وغاب حزب الزولو انكاثا ايضا بسبب تهميش مشاركة ملكهم، ومن احزاب البيض قاطع الاجتماعات حزب المحافظين The Conservative Party الذي طالب بمنح البيض حق تقرير المصير وانشاء دولة مستقلة لهم وقاطعت الاجتماعات ايضا ” جبهة الشعب الافريكاني ” التى قالت ان حزب مانديلا منظمة شيوعية ارهابية وانه يتعين فرض انفصال البيض بقوة السلاح ، ودمغت ” حركة المقاومة الأفريكانية “ديكليرك بالخيانة للقومية البيضاء وطالبت بقيام جمهورية بويرية بالكامل… اما ديكليرك فقد قام بتنظيم استفتاء للسكان البيض فقط حصل فيه على دعمهم لمواصلة “اصلاحه”بنسبة ٦٨.٧ ….. وقد بدأت المفاوضات من جهة اخرى بجو يسوده التفاؤل ونجحت فى يومها الأول فى اصدار ” اعلان نوايا” Declaration of Intent يشير الى هدف قيام دولة موحدة ديمقراطية خالية من التمييز ، كما نجح الاجتماع في تشكيل خمس مجموعات عمل للمبادئ الدستورية واليات الحكومة الانتقالية ومستقبل البانتوستانات المستقلة والاطار والآماد الزمنية ذات الصلة … اذا كانت جولة كوديسا (۱) قد توصلت لما سلفت الاشارة من خطوات فان كوديسا (۲) التي استؤنفت في مايو ۱۹۹۲ قد واجهت صعوبات جمة وهي تعكف على استعراض وترجمة أعمال فرق العمل الا ان المفاوضات انهارت بسبب تصاعد اعمال العنف مع اهمية وحساسية القضايا مدار البحث والمتصلة بتقاسم السلطة واليات اتخاذ القرار وهيكل وصلاحيات الادارة الانتقالية حيث طرح حزب ديكليرك الوطني نسبا عالية لتمرير القرارات السيادية وذات التاثير على شركاء السلطة بينما كان خيار المؤتمر الوطنى الافريقي نسبا اقل بين الاغلبية العادية والثلثين ، وقد ادى ازدياد العنف الى انسحاب مانديلا من المفاوضات في اعقاب مجزرة بويباتونغ فى يونيو ۱۹۹۲ ، وقد عادت المفاوضات عقب فشل كوديسا (۲) لتستكمل عبر مسار و الية جديدة هي ما عرف بمنتدى التفاوض متعدد الاحزاب او ال MPNF وتحت هذا المنبر تمكن المفاوضون وبمساعدة الخبراء في المسائل الدستورية والقانونية والتكنوقراط الى اقرار الدستور الانتقالى لعام ۱۹۹۳ الجديد وصولا الى إجراء اول انتخابات ديمقراطية شاملة عام ١٩٩٤ ، وتم ايضا انجاز المهام التاريخية التالية : تحديد ۲۷ ابريل ١٩٩٤ موعدا للانتخابات انشاء المجلس التنفيذي الانتقالي / انجاز وثيقة الحقوق الوطنية انشاء اللجنة المستقلة للانتخابات / تفكيك المعازل والبانتوستانات ودمجها مع مناطق البلاد الأخرى…

​تتكاثر ازمات القارة الافريقية ويقف بعضها عند مفترق طرق ، وتتباين مع ازدياد وتيرتها مسبباتها وسياقاتها التاريخية و مالاتها وتعريفها من قبل البيئة الاقليمية والدولية ….. لا توجد وصفة واحدة مدرة للتعافي، على ان هناك دروسا وعبرا بل وثوابت انضجتها تجارب الازمات ومن بينها انه كلما تم التواصل مع جذور الازمات كلما كان تعريف الخط المستقيم أكثر وضوحا، وانه كلما تم التمسك بالملكية الوطنية تم تحصين الحلول من الايادي العابثة وكلما تجنب الفاعلون تجريب المجرب في خطل الاقصاء وتوقع نتائج مختلفة اقترب الناس من الهدف.. ان السودان اذ يوشك الاقلاع بطائرة حواره الوطني فان عليه مطالعة كراسات وتجارب سابقيه .،،، ولنا عودة..