حينما يصبح الاقتصاد جبهة حرب لاتطاردوا الدولار .. انقذوا الاقتصاد “مقترح معالجة”

✍🏾 السفير : رشاد فراج الطيب

حينما يصبح الاقتصاد جبهة حرب
لاتطاردوا الدولار .. انقذوا الاقتصاد “مقترح معالجة”

في هذا المنعطف التاريخي الحرج ، لم يعد الاقتصاد السوداني يحتمل المعالجات التقليدية ، ولا السياسات الجزئية ، ولا إدارة الأزمة يوماً بيوم .
فالحرب لم تستنزف الأرواح والمدن والمؤسسات فحسب ، وإنما أصابت البنية الإنتاجية ، وعطلت التجارة ، وأضعفت الإيرادات العامة ، وضربت الجهاز المصرفي ، ووسعت الاقتصاد الموازي ، وأضعفت الثقة في العملة الوطنية .
وقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023 و14% إضافية في 2024م ، بينما ارتفع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة ، وتراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022م إلى أقل من 5% خلال 2024م .
وفي المقابل ، ظهرت في 2025م مؤشرات تعافٍ محدودة ، مدفوعة جزئياً باستئناف بعض الأنشطة الزراعية والتجارية وعودة بعض النازحين إلى مناطق أكثر أمناً ، لكنه لا يزال تعافياً هشاً لا يحتمل استمرار الاختلالات النقدية والمالية .
ومن هنا ، فإن إنقاذ الاقتصاد السوداني لا يبدأ بالسؤال : كيف نرفع سعر الجنيه؟ وإنما بالسؤال الأهم : كيف نعيد بناء الاقتصاد الذي يمنح الجنيه قيمته ؟
فالجنيه لا يستعيد عافيته بقرار إداري ، وإنما يستعيدها عندما يرتفع الإنتاج ، وتزداد الصادرات ، وتتدفق العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية ، وينخفض العجز ، وتتوقف الدولة عن تمويل إنفاقها بطباعة النقود ، وتعود الثقة إلى الجهاز المصرفي .

ولاستعادة العافية للاقتصاد والعملة الوطنية نقترح المقاربة الآتية :

أولاً : غرفة عمليات لإنقاذ الاقتصاد
أقترح إنشاء غرفة عمليات اقتصادية وطنية لمدة اثني عشر شهراً ، تعمل تحت إشراف أعلى مستوى في الدولة ، وتضم بنك السودان ووزارة المالية والخارجية والتعاون الدولي والتجارة والجمارك والضرائب ووزارة المعادن والزراعة والثروة الحيوانية وممثلين عن القطاع المصرفي والقطاع الخاص وخبراء اقتصاديين مستقلين .
مهمتها ليست إصدار البيانات ، وإنما إدارة الاقتصاد بصورة يومية ، ومتابعة خمسة عشر مؤشراً أساسياً : سعر الصرف ، التضخم ، السيولة، احتياطي النقد الأجنبي ، الصادرات ، الواردات ، الذهب ، التحويلات ، الإيرادات ، الإنفاق ، الإنتاج الزراعي ، الإنتاج الصناعي ، حركة الموانئ ، أداء المصارف ، وحركة الاقتصاد الموازي .
فالاقتصاد الذي يخوض حرباً يحتاج إلى إدارة حرب اقتصادية ، لا إلى بيروقراطية اقتصادية تقليدية .

ثانياً : إنقاذ الجنيه يبدأ بوقف مسببات انهياره
لا ينبغي استنزاف احتياطي الدولة في محاولة تثبيت سعر مصطنع للدولار .
المطلوب هو الانتقال التدريجي إلى سوق صرف ( موحد ومرن ومدار ) ، يقلل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي ، ويجعل المصارف قادرة على توفير النقد الأجنبي بأسعار واقعية .
فالهدف الأول ليس إعلان رقم منخفض للدولار ، وإنما وقف التدهور واستعادة الثقة .
ويجب أن يصبح التعامل المصرفي أكثر جاذبية من السوق الموازي ، مع تشديد الرقابة على شبكات المضاربة المنظمة وغسل الأموال وتمويل الاقتصاد غير الرسمي ، دون التعامل مع كل نشاط في السوق الموازي باعتباره جريمة ؛ لأن جزءاً منه نتاج مباشر لعدم كفاية النقد الأجنبي في القنوات الرسمية .

ثالثاً : وقف التمويل بالعجز وطباعة النقود
هذه واحدة من أهم حلقات الأزمة .
لقد وثق البنك الدولي العلاقة بين تمويل العجز بواسطة البنك المركزي وبين الضغوط التضخمية في السودان ، وأشار إلى أن استمرار تمويل العجز نقدياً يمثل خطراً على استقرار الأسعار .
ولذلك يجب وضع قاعدة مالية واضحة :
لا تمويل نقدي مفتوح لعجز الموازنة .
ويجب أن تعيد الدولة ترتيب إنفاقها بحيث تذهب الموارد المحدودة إلى الدفاع والخدمات الأساسية والإنتاج والبنية التحتية الحيوية ، مع وقف الإنفاق غير الضروري والامتيازات والمصروفات الحكومية التي لا تضيف قيمة اقتصادية .

رابعاً : تحويل المغتربين من مصدر تحويلات إلى شريك في الإنقاذ
يمثل السودانيون في الخارج واحداً من أهم الأصول الاقتصادية التي لا تظهر في الموازنة العامة .
المطلوب إنشاء “حساب المغترب السوداني” في المصارف ، يوفر سعراً قريباً من سعر السوق ، وسرعة في التحويل ، وحماية قانونية للأموال ، وإعفاءات وحوافز مصرفية مقابل التحويلات ، مع إتاحة شهادات استثمار بالدولار والدرهم والريال واليورو .
كما يمكن إصدار “سند التعافي الوطني” للمغتربين ، وتوجيه حصيلته حصراً إلى مشروعات إنتاجية محددة في الزراعة والطاقة والمياه والصناعات الغذائية والتخزين والنقل .
وإنشاء شركات مساهمة عامة ومحفظات للسلع والخدمات يساهم فيها المغترب والمواطن .
بهذا ننتقل من طلب الدعم من المغترب إلى إشراكه في بناء الاقتصاد .

خامساً : الذهب يجب أن يصبح مورداً للنقد الأجنبي لا مصدراً للنزيف
لا يمكن أن يملك السودان مورداً ذهبياً كبيراً بينما يعاني في الوقت نفسه من شح النقد الأجنبي .
المطلوب نظام شراء رسمي جاذب للذهب ، يضمن للمنتج سعراً تنافسياً وسرعة في الدفع وإجراءات بسيطة ، ويجعل البيع عبر القنوات الرسمية أكثر ربحية وأماناً من التهريب .
ثم تأتي الخطوة الأهم : الانتقال تدريجياً من تصدير الذهب الخام إلى بناء سلسلة قيمة وطنية تشمل التعدين المنظم والتكرير والخدمات المرتبطة به .

سادساً : انشاء جهاز قومي لحماية الأمن الاقتصادي ومكافحة التهريب
أقترح إنشاء جهاز قومي شرطي لحماية الأمن الاقتصادي ومكافحة التهريب بموجب قانون يصدر عن السلطة التشريعية المختصة ، على أن تكون له طبيعة أمنية/عسكرية مهنية ، وصلاحيات محددة وقوية في حماية الحدود الاقتصادية ومكافحة تهريب الذهب والعملات والوقود والسلع الاستراتيجية والموارد الطبيعية .
ويجب ألا يكون الجهاز بديلاً عن الشرطة أو الجمارك أو الأجهزة الرقابية ، وإنما جهازاً متخصصاً يعمل بالتنسيق معها ، مع خضوعه للرقابة القانونية والقضائية والمالية الصارمة .
وأقترح أن يتضمن القانون نظام حوافز مرتفعاً ومنضبطاً للعاملين فيه ، مرتبطاً بالمضبوطات والأحكام القضائية النهائية ، حتى تصبح حماية الاقتصاد مهنة ذات جاذبية وكفاءة ، لا وظيفة هامشية .
والأهم أن تكون موارده المضبوطة وأحكام مصادرتها وتوزيعها خاضعة للشفافية والعدالة الناجزة ؛ لأن مكافحة التهريب لا ينبغي أن تتحول هي نفسها إلى اقتصاد موازٍ .

سابعاً : معركة الدولار تُحسم بالإنتاج والتصدير
إذا كان السودان يريد الدولار ، فعليه أن ينتج ما يحتاجه العالم .
الأولوية العاجلة يجب أن تكون للزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية.
نحتاج إلى “موسم إنقاذ الإنتاج” : بذور ، أسمدة ، وقود ، تمويل ، آليات ، تأمين ، تخزين ، نقل وأسواق .
ولا ينبغي أن تنتهي مهمة الدولة عند إنتاج المحصول ، بل يجب بناء سلاسل القيمة والتصنيع والتسويق والتصدير .
فبدلاً من تصدير الصمغ العربي خاماً ، نحتاج إلى منتجات مصنعة .
وبدلاً من تصدير الماشية الحية فقط ، نحتاج إلى صناعة اللحوم والجلود . وبدلاً من تصدير السمسم الخام ، نحتاج إلى الزيوت والمنتجات الغذائية .
المطلوب ليس زيادة الصادرات فقط ، وإنما زيادة القيمة المضافة لكل دولار صادر .

ثامناً : ترتيب الواردات
لا يستطيع السودان إيقاف الواردات ، لكنه يستطيع ترتيبها .
يجب إعطاء الأولوية للنقد الأجنبي للدواء والغذاء ومدخلات الإنتاج الزراعي والوقود والمعدات الطبية والمواد الخام والآلات الصناعية .
أما السلع الكمالية والسلع التي يمكن إنتاجها محلياً ، فيجب ألا تستنزف الموارد المحدودة من العملات الأجنبية .
وهنا يجب أن تتحول السياسة التجارية من سياسة “منع الاستيراد” إلى سياسة إدارة ذكية للنقد الأجنبي .

تاسعاً : الدبلوماسية الاقتصادية يجب أن تدخل غرفة العمليات
لا يكفي أن نطلب من المواطن السوداني المزيد من التضحية في بلد أنهكته الحرب .
يجب أن تتحرك الدبلوماسية السودانية في اتجاه استنفار اقتصادي إقليمي و دولي ، وتحويل العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف والاتفاقيات إلى موارد حقيقية للاقتصاد السوداني .
المطلوب التفاوض مع الدول العربية والأفريقية والصديقة والمؤسسات المالية الدولية من أجل :

  • ودائع نقدية لدعم الاحتياطي .
  • خطوط ائتمان لاستيراد السلع الاستراتيجية .
  • تمويل مدخلات الزراعة .
  • آليات ومعدات إنتاج .
  • دعم فني للمصارف والجمارك والضرائب .
  • إعادة تأهيل الكهرباء والمياه والموانئ والطرق .
  • تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة .
  • دعم سلاسل القيمة الزراعية والحيوانية .
  • منح وقروض ميسرة لإعادة الإعمار .
  • استثمارات .

وينبغي أن تتحول السفارات السودانية إلى بعثات اقتصادية واستثمارية ، لا أن يقتصر دورها على العمل السياسي والقنصلي والجبايات .
المطلوب أن تأتي موارد التعافي من الشراكات الدولية والاستثمار والتعاون الاقتصادي ، لا من جيب المواطن الذي تحمل بالفعل تكلفة الحرب والنزوح والانهيار .

عاشراً : إنشاء صندوق استقرار الجنيه
أقترح إنشاء صندوق وطني لاستقرار النقد الأجنبي والجنيه ، ترفد موارده بجزء محدد من عائدات الذهب والصادرات ، وتحويلات المغتربين ، والودائع الخارجية ، والمنح والقروض الميسرة .
ويستخدم الصندوق حصراً لتوفير النقد الأجنبي للسلع الاستراتيجية وتمويل الاختلالات المؤقتة في ميزان المدفوعات ، مع نشر تقاريره المالية بصورة دورية .

وأخيراً : تغيير العقلية قبل تغيير السياسات
السودان لا يحتاج فقط إلى وزير مالية جديد أو محافظ بنك مركزي جديد ؛ وإنما يحتاج إلى عقلية اقتصادية جديدة .
عقلية ترى أن الأمن الاقتصادي جزء من الأمن القومي ، وأن المزارع جندي في معركة الدولة ، والمصنع خط دفاع ، والميناء مورد سيادي ، والذهب احتياطي نقدي محتمل ، والمغترب شريك ، والدبلوماسي الاقتصادي سفير للاستثمار والتصدير ، والتهريب والتهرب جريمة .

إن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة القادمة بسيطة في جوهرها :
إنتاج أكثر + صادرات أكثر + تحويلات رسمية أكثر + تهريب أقل + عجز أقل + طباعة نقود أقل + ثقة مصرفية أكبر = نقد أجنبي أكثر وجنيه أكثر استقراراً .
وهذه ليست وصفة نظرية ؛ بل هي الطريق الذي تؤكده أيضاً توصيات المؤسسات الدولية بشأن استقرار الاقتصاد السوداني ، واستعادة الإنتاج الزراعي ، وإزالة عوائق التجارة ، والحفاظ على سوق صرف موحد ، وإعادة بناء المؤسسات والقدرة الإنتاجية .

إن إنقاذ الاقتصاد السوداني ليس ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب ؛ إنه جزء من معركة الدولة نفسها .
فالدولة التي تستعيد الأرض ولا تستعيد اقتصادها ، تظل معرضة للاستنزاف .
والدولة التي تستعيد مواردها وتعيد تشغيل إنتاجها وتحمي عملتها وتفتح أبواب الاستثمار وتستقطب الشراكات الدولية وتزيل عوائق الاستثمار والتجارة ، تكون قد بدأت فعلاً في بناء شروط النصر والسلام والاستقرار .
السودان لا يحتاج إلى اقتصاد يعيش على المساعدات ، وإنما إلى اقتصاد ينتج موارده ويحميها ويضيف إليها قيمة ويحولها إلى قوة وطنية .
وهنا تبدأ معركة الجنيه .. ومعها معركة بناء الدولة السودانية الحديثة واعادة الإعمار .