تأملات
جمال عنقرة
الحوار .. علي درب النكبات والنكسات السابقة
لم استغرب كما استغرب آخرون لم يجدوا اسمي، ولا اسماء شخصيات اخري ارتبطت بعملية الحوار في السودان منذ زمن بعيد في قوائم الحوار التي صدرت، وليس المجال مجال ادعاء، ولكن لو كان اسمي قد أعلن في هذه اللجان، لاعتذرت فورا، كما فعل آخرون مثل السفير الدكتور نور الدين ساتي، ذلك أن الفكرة التي يقوم عليها هذا الحوار، لا تختلف عن رؤيتي للحوار الذي يمكن أن يؤسس للدولة التي ننشدها، ولا إلى الوطن الذي نسعي لان يكون وطنا للسودانيين جميعا، بلا عزل ولا تمييز، ولا إقصاء ولا تفضيل لاحد، بل هو حوار يسير علي ذات المنهج الذي كان سببا في كل نكبات ونكسات الانظمة السودانية، منذ دولة المهدية، وحتى نظام الإنقاذ الاخير، وهو المنهج الذي يقوم علي كسب ود الخصوم علي حساب اهل السبق والولاء والعطاء.
والذي يقرأ تاريخ الثورة المهدية يجد أن نجاح الثورة تحقق بنجاح الأمام المهدي في توحيد السودانيين جميعا حول هدف تحرير وطني، ولما تحقق التحرير قدم صاحب الفكرة التي أشعلت الثورة الخليفة عبدالله، وجعله اول الخلفاء المهديين، ولكن بعد وفاة الامام مسموما، نجد أن الخليفة عبد الله أبعد كل رموز وقيادات الثورة الفاعلين بطرق مختلفة، فلما جاء كتشنر لاستعادة استعمار السودان، لم يجد الخليفة حوله الابطال الذين فجروا الثورة، وصنعوا الدولة، فلم يجد النور عقيد الخيل عقود الشين .. عنقرة المعزة الاصلو ما بتلين، ولم يجد ود النجومي القبره في توشكين، ولم يجد عثمان سواكن دقنة في الدارين، ولم يجد الزاكي أداب النقز في الحين، ولم يجد كثير من أصحاب الأمام العاقدين نواصي الخيل، فكان طبيعيا أن يحصد المكسيم الأنصار حصدا في كرري، فلم يجد الخليفة في ام دبيكرات الا أن يجلس مستسما، في انتظار قدره المحتوم.
ولما سعي الرئيس جعفر نميري إلى كسب ود المعارضين في يوليو ١٩٧٧م، دون أن يعمل حسابا للمرابطين، فقد كثيرين من المرابطين، ولم يكسب اكثر المعارضين، فالسيد الصادق المهدي الذي قاد المصالحة مع نميري، نفض يده عنها سريعا، والإسلاميون الذين قطعوا مشوارا طويلا مع نميري في المصالحة والمشاركة، لم يصبر عليهم، ولم يصبروا عليه، انقلب عليهم في العاشر من مارس ١٩٨٥م، فدعموا الانتفاضة ضده، وشاركوا في إسقاط نظامه في السادس من أبريل ١٩٨٥م، والملاحظ أن مايو عندما سقطت لم يكن مع نميري احد من الذي قادوا معه الثورة غير ابو القاسم محمد ابراهيم، وهذا كان قد اعيد أخيرا وزيرا للشباب والرياضة لا حول له ولا قوة.
ومعلوم أن الإنقاذ عندما هبت ضدها انتفاضة ديسمبر ٢٠١٨م، ولم يكن مع البشير احد من العسكريين الذين قادوا معه التغيير غير عبد الرحيم محمد حسين واليا للخرطوم. وتوزع اكثر الاسلاميين الذين صنعوا التغيير، بين الشعبي، والإصلاح، والعدل والمساواة، والعدالة القومي، وبعضهم وهنوا واستكانوا، والذين قدمهم البشير لحراسة أمنه وحمايته، هم أنفسهم الذين قادوا الانقلاب عليه.
وما اشبه الليلة، بالليالي البارحة، ابتداء من حضن الوطن، وحتى ما يسمي التهيئة للموار، التي تقرب الذين خانوا، وتمردوا، ودعموا المليشيا وتعمل علي ابعاد واستبعاد الذين رابطوا وصمدوا وقاتلوا مع القوات المسلحة صفا واحدا كالبنيان المرصوص، فبينما يتم الاحتفاء بالمليشيين الذين عادوا إلى “حضن الوطن” تتم مهاجمة واتهام وتخوين حركات الكفاح المسلح والاسلاميين المرابطين، وبينما يستبعد الوطنيون الصادقون من الحوار من كل قطاعات المجتمع الفاعلة، يقدمون لقيادة الحوار من يزعم أن حرب الكرامة، جرب بين جنرالين. ألم اقل لكم … ما أشبه الليلة بالليالي البارحة.
ألا هل بلغت … اللهم فاشهد.
