بين التشخيص الأكاديمي وهندسة تفكيك الدولة

اطلعت على الورقة المنسوبة للسيد الدكتور الواثق كمير والصادرة من القاهرة بتاريخ 26 أغسطس 2026. تقدم الورقة نفسها بوصفها “مساهمة تحليلية شخصية مستقلة” تهدف لاختبار فرضية: هل هناك “خمس قضايا” تمنع الحوار ويجب طرحها منذ البداية؟

التحليل العلمي يوجب علينا التمييز بين “تشخيص الأزمة” وبين “إعادة إنتاج أسبابها تحت غطاء أكاديمي”. فالورقة، رغم لغتها الهادئة، ترتكب خطأً منهجياً قاتلاً: تضع “الدولة” و “المتمرد عليها” في سلة واحدة، وتطالب بالتفاوض على وجودهما معاً.

نرد لا دفاعاً عن أشخاص، بل دفاعاً عن المنطق العلمي، وسيادة الدولة، ودماء الشهداء، وحق الشعب في أن يبني دولته بعد هزيمة التمرد. فلا يستقيم عقلاً ولا قانوناً ولا أخلاقاً أن نناقش “شكل الدولة بعد الحرب” بينما بنادق التمرد لا تزال موجهة إلى صدرها.

أولاً: الخلل المنهجي الحاكم = مغالطة المساواة الزائفة

الأساس الذي قامت عليه الورقة هو جمع خمسة متغيرات في إطار واحد: الدعم السريع، القوات المسلحة، قيادة القوات المسلحة، الإسلاميون، الفاعلون الإقليميون والدوليون.

هذا الطرح يقع في “مغالطة المساواة الزائفة False Equivalence”. فهو يتجاهل الفروق النوعية والقانونية والسياسية بين هذه الأطراف:

1 . القوات المسلحة السودانية الباسلة : مؤسسة دستورية قومية، نصت عليها الوثيقة الدستورية والقانون العسكري. مهمتها حماية السيادة ووحدة التراب. وجودها سابق على كل الأزمات وسيبقى بعدها.
2 . قوات الدعم السريع:
تشكيل عسكري تم حله بمرسوم دستوري من رئيس مجلس السيادة الانتقالي بعد أن قام بـ “تمرد مسلح” على الدولة. وفق القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي السوداني فهو الآن “مليشيا متمردة” مطلوبة للعدالة.
3 . الإسلاميون:
تيار فكري وسياسي سوداني أصيل، جزء من النسيج الاجتماعي. شارك في الحكم وأخطأ وأصاب، لكنه لم يحمل السلاح ضد الدولة في 15 أبريل. إدخاله كـ”قضية خلاف” هو تجريم للفكر وليس للفعل.
4 . الفاعلون الإقليميون والدوليون:
أطراف خارجية، بعضها متورط في تمويل وتسليح التمرد. مكانهم الطبيعي في قاعة المحاسبة وليس في طاولة الحوار.

علم السياسة يقول: لا يمكن بناء عملية سياسية على أساس مساواة “الحامي” بـ “المعتدي”، و “المؤسسة” بـ “المليشيا”. هذا ليس حواراً، هذا مشروع لتفكيك شرعية الدولة من الداخل. وهو ذات المنطق الذي يقف خلف مشروع قانون 1591 الموسع و HR1939.

ثانياً: تفكيك علمي للقضايا الخمس

1. قضية “مستقبل قوات الدعم السريع”: من قضية سياسية إلى جريمة جنائية
الورقة تطرح الأمر كأنه “خلاف حول مستقبل مؤسسة”. وهذا تزوير للتاريخ.
الحرب لم تبدأ بسبب نقاش حول الدمج. الحرب بدأت في الساعة السادسة صباح 15 أبريل 2023 بتمرد عسكري شامل نفذته هذه الميليشيات على مقرات الدولة وبيوت المواطنين.

إذن الإشكال ليس “سياسياً” حتى نتحاور حوله. الإشكال “جنائي ودستوري”. المطلوب ليس “حوار” بل “حسم عسكري” ثم “مساءلة قانونية”.
قاعدة القانون الدولي واضحة: لا شرعية سياسية لمن يستخدم السلاح لإسقاط الدولة. تجارب العالم من كولومبيا إلى سريلانكا تؤكد: أولاً إسقاط خيار العنف، ثم يأتي الحوار.

2. قضية “القوات المسلحة وقيادتها”: استهداف المؤسسة عبر استهداف القيادة
أن تطرح “قيادة القوات المسلحة” كقضية تفاوض منفصلة، هو فصل متعمد بين القيادة والمؤسسة. وهذا استهداف مباشر لهيبة الدولة في وقت الحرب.

القوات المسلحة ليست حزباً سياسياً حتى “نتفاوض” على قيادتها. القيادة الحالية هي التي تتحمل مسؤولية الدفاع عن البلاد وفق القسم العسكري. من يريد تغيير القيادة فليفعل ذلك عبر آليات الدولة بعد انتهاء الحرب، وليس عبر ابتزاز سياسي أثناء المعركة.
هذا الطرح هو النسخة الناعمة من البند السابع: نزع الشرعية عن الجيش الوطني لصالح المليشيا.

3. قضية “دور الإسلاميين”: العودة لخطاب الإقصاء بلبوس أكاديمي
هذه أخطر فقرات الورقة. يتم تحويل “تيار سياسي” إلى “سبب للحرب”. وهذا تكرار لفشل خطاب 2019-2021 الذي قاد البلاد للانهيار.

الحقائق العلمية:
أ. الإسلاميون لم يطلقوا رصاصة واحدة في 15 أبريل. من أطلق الرصاص هي ميليشيات الدعم السريع.
ب. الإسلاميون موجودون في كل أقاليم السودان. إقصاؤهم يعني إقصاء 30-40% من النسيج الاجتماعي.
ج. لا توجد دولة في العالم بنت استقرارها عبر “إقصاء تيار فكري”. ألمانيا لم تقص النازيين الجدد بالإقصاء، بل بالقانون.

طرح “دور الإسلاميين” كشرط مسبق هو ليس علماً. هو “إقصاء سياسي” يهدف لصناعة أغلبية مصطنعة داخل طاولة الحوار، ويرفض الاعتراف بتعدد السودانيين.

4. قضية “الفاعلين الإقليميين والدوليين”: من الفضح إلى التطبيع
نتفق مع الورقة أن للخارج دور. لكن نختلف في المعالجة. الورقة تطرحهم كـ “فاعلين” يجب أن نتحاور معهم حول “دورهم”.

المنهج العلمي والوطني يقول: هؤلاء “أطراف متدخلة”. أبوظبي تمول، وبريطانيا ترعى، والإمارات العربية تشغل المطارات. الحل ليس “التفاوض معهم” بل “فضحهم ومحاسبتهم وطردهم من المشهد”. إدخالهم كشركاء في الحوار هو اعتراف بشرعية تدخلهم.

5. قضية “طبيعة حرب أبريل”: السردية الحاكمة
الورقة محقة في أن هناك “خلاف حول سردية الحرب”. لكنها تخطئ في العلاج. تقول: “لنعترف بتعدد السرديات ونتحاور”.

العلم يقول: هناك “سردية واحدة” مثبتة بالأدلة: تمرد عسكري مكتمل الأركان . وهناك “سرديات دعائية” صنعتها غرف إعلامية لتبيض وجه التمرد.
الحوار لا يبدأ بالاعتراف بـ “سردية المعتدي” كسردية متساوية مع “سردية الدولة”. يبدأ بإثبات الحقائق ثم محاسبة المسؤولين عنها.

ثالثاً: خطأ التوقيت – لماذا “الحوار الآن” هو تكريس للحرب؟

الورقة تقول: “لا نشترط حسم الخلافات قبل الحوار”. وهذا يخالف كل تجارب بناء الدول بعد الحروب الأهلية.

القاعدة العلمية في “نظرية بناء الدولة State Building” تقول:
*الاحتكار الشرعي للعنف أولاً ثمالتوافق السياسي ثانياً* `.

أمثلة :

  • كولومبيا 2016: لم يبدأ الحوار مع FARC إلا بعد أن تم إنهاكهم عسكرياً لمدة 50 عام.
  • سريلانكا 2009: لم يكن هناك “حوار وطني” مع نمور التاميل، كان هناك حسم عسكري كامل.
  • الجزائر 1999: قانون الوئام المدني جاء بعد هزيمة الجماعات المسلحة.

طرح “الحوار في ظل الحرب الوجودية” في الحالة السودانية هو محاولة لتجميد انتصارات الجيش في باقي ربوع الوطن. وهو بالضبط الهدف السياسي للجنة التي ينتمي لها كاتب الورقة: “لجنة تشاورية لتهيئة الحوار”. أي تهيئة هذه التي تتجاهل إرادة الميدان؟

رابعاً: معايير أي حوار وطني جاد بعد الحسم

إذا كنا جادين في “الحوار السوداني-السوداني” فله ثلاث ثوابت علمية وسياسية لا تقبل المساومة:

1 . الشرعية السيادية: أي حوار يجب أن يكون تحت مظلة الدولة وبإشراف “الإدارة السياسية” التابعة لمجلس السيادة الانتقالي. لا ورش خارجية ولا منصات افتراضية.
2 . معايير المشاركة: التمييز الصارم بين “الفاعل السياسي” و “المتمرد المسلح”. من حمل السلاح ضد الدولة يتحاكم أولاً، ثم يمارس السياسة كمواطن إذا أراد.
3 . الأجندة: الحوار يكون حول “كيف ندير الدولة بعد الحرب” وليس “كيف نقسم السلطة أثناء الحرب”. الأولويات: الدستور، الانتخابات، الإعداد لإعادة الإعمار، العدالة الناجزة لضحايا المليشيا.

الخاتمة: من هندسة الخلاف إلى هندسة الدولة

فرضية الورقة تقول: “الخلافات تمنع الحوار، فلنتحاور حولها”.
وفرضيتنا العلمية والواقعية تقول: “التمرد يمنع قيام الدولة، فلنهزم التمرد أولاً ثم نتحاور”.

السودان لا يحتاج إلى “ورشة” جديدة لتسمية الخلافات. السودان يحتاج إلى “دولة” تحسم التمرد، ثم تجمع أبناءها على طاولة واحدة بلا إقصاء وبلا وصاية خارجية.

الشعب قال كلمته في المولد وفي الميدان وفي المستنفرين: لا تفاوض تحت النار. لا شراكة مع من تمرد على الدولة. الحسم أولاً. السيادة خط أحمر.

من يتجاهل ذلك إنما يضيف مبادرة جديدة إلى قائمة المبادرات الفاشلة.

والله الموفق

وطن ومؤسسات… السودان أولاً وأخيراً…
د. عبدالعزيز الزبير باشا

27/08 /2026