مَدْحُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ فَنًّا شَعْرِيًّا طَارِئًا ظَهَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، بَلْ كَانَ حَاضِرًا فِي حَيَاتِهِ ﷺ، وَكَانَ الصَّحَابِيُّ الشَّاعِرُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ أَشْهَرِ مَنْ حَمَلَ لِوَاءَ الشِّعْرِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَدْحِهِ.وَلَمْ يَقْتَصِرِ الْمَدْحُ عَلَى حَسَّانَ، فَمِنْ أَشْهَرِ الْقَصَائِدِ الَّتِي قِيلَتْ فِي النَّبِيِّ ﷺ قَصِيدَةُ كَعبِ بْنِ زُهَيْرٍ «بَانَتْ سُعَادُ»، الَّتِي أَلْقَاهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَاشْتَهَرَتْ بِاسْمِ الْبُرْدَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَسَا كَعْبًا بُرْدَتَهُ بَعْدَ أَنْ أَنْشَدَهَا.
ثُمَّ مَضَى الْمَدِيحُ النَّبَوِيُّ فِي التَّارِيخِ الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ، وَتَنَاوَلَهُ شُعَرَاءُ كَثِيرُونَ، حَتَّى جَاءَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْبُوصِيرِيُّ، فَنَظَمَ قَصِيدَتَهُ الْمَشْهُورَةَ «الْكَوَاكِبَ الدُّرِّيَّةَ فِي مَدْحِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ»، الْمَعْرُوفَةَ بِـ«الْبُرْدَةِ»، فَأَصْبَحَتْ مِنْ أَشْهَرِ قَصَائِدِ الْمَدِيحِ النَّبَوِيِّ فِي التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ.
وَلَا يَكَادُ شَاعِرٌ بَعْدَ الْبُوصِيرِيِّ يَقْتَرِبُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِلَّا وَيَحْضُرُ فِي ذَاكِرَتِهِ نَصُّ الْبُوصِيرِيِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مُعَارَضَةً أَمْ تَنَاصًّا أَمْ اسْتِلْهَامًا.
وَمِنْ أَبْرَزِ مَنْ عَارَضَ الْبُوصِيرِيَّ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ أَحْمَدُ شَوْقِي فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ «نَهْجُ الْبُرْدَةِ»، الَّتِي تُعَدُّ مِنْ أَرْفَعِ نَمَاذِجِ الْمَدِيحِ النَّبَوِيِّ فِي الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ الْحَدِيثِ.
وَفِي زَمَانِنَا الْحَدِيثِ حَضَرَ تَمِيمُ الْبَرْغُوثِي بِقَصِيدَتِهِ «الْبُرْدَةِ»، فَاسْتَحْضَرَ التُّرَاثَ الْقَدِيمَ بِلُغَةٍ وَحَسٍّ شِعْرِيٍّ مُعَاصِرَيْنِ، وَجَعَلَ مِنَ الْمَدِيحِ مَجَالًا لِلتَّأَمُّلِ وَاسْتِعَادَةِ الْمَعْنَى وَالذَّاكِرَةِ.
وَلَكِنْ لِلشِّعْرِ السُّودَانِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ حُضُورُهُ الْخَاصُّ؛ فَقَدْ انْفَرَدَ الشَّاعِرُ السُّودَانِيُّ مُحَمَّدُ الْمَهْدِي الْمَجْذُوبُ بِنَصٍّ مُمَيَّزٍ فِي الْمَدِيحِ النَّبَوِيِّ، يَتَّكِئُ عَلَى جَرْسٍ دَاخِلِيٍّ قَوِيٍّ، وَإِيقَاعٍ يَكْتَسِبُ قُوَّتَهُ مِنْ تَرْكِيبِ الْكَلِمَاتِ وَتَدَافُعِ الْصُّوَرِ وَتَكْرَارِ الْأَصْوَاتِ… وَقَدْ زَادَ مِنْ شُهْرَةِ هَذَا النَّصِّ أَدَاءُ الْفَنَّانِ السُّودَانِيِّ الْكَابِلِي، الَّذِي أَدَّاهُ بِطَرِيقَةٍ فَنِّيَّةٍ بَالِغَةِ التَّأْثِيرِ، فَأَصْبَحَ النَّصُّ الشِّعْرِيُّ مَمْزُوجًا فِي وِجْدَانِ أَجْيَالٍ مِنَ السُّودَانِيِّينَ بِصَوْتِ الْكَابِلِي وَأُسْلُوبِهِ الْفَرِيدِ.
وَمَا يُعْجِبُنِي فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ جَمَالُ الْمَدِيحِ وَرَصَانَةُ الشِّعْرِ وَقُوَّةُ الْمَعْنَى وَصِدْقُ الْعَاطِفَةِ. فَحُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَقَامٌ عَظِيمٌ، وَمِنْ حَقِّ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ تُخْتَارَ لَهُ أَجْمَلُ الْكَلِمَاتِ وَأَرْقَى الصُّوَرِ وَأَعْذَبُ الْأَلْفَاظِ.
وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَحَوَّلَ الْمَدِيحُ إِلَى قَبَاحَةٍ فِي اللَّفْظِ، أَوْ رَكَاكَةٍ فِي الشِّعْرِ، أَوْ صَخَبٍ يَغِيبُ فِيهِ الْمَعْنَى وَيَضِيعُ فِيهِ الْجَمَالُ. وَقَدْ كَانَ يُؤْسِفُنِي مَا كَانَ يُقَدَّمُ أَحْيَانًا عَلَى إِحْدَى الْقَنَوَاتِ السُّودَانِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ نَمَاذِجَ أَرَاهَا بَعِيدَةً عَنْ جَمَالِ الْمَدِيحِ وَرَصَانَةِ الشِّعْرِ، وَلَقَدْ حَمِدْتُ اللهَ عَلَى إِغْلَاقِهَا.
إِنَّ الْمَدِيحَ النَّبَوِيَّ لَيْسَ كَثْرَةَ أَبْيَاتٍ، وَلَا عُلُوَّ صَوْتٍ، وَلَا تَكْرَارَ أَلْفَاظٍ؛ إِنَّهُ شِعْرٌ وَفَنٌّ وَذَائِقَةٌ وَمَحَبَّةٌ. وَكُلَّمَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْعَنَاصِرُ، أَصْبَحَ الْمَدِيحُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَعِيشَ بَعْدَ صَاحِبِهِ، وَأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، كَمَا عَاشَتْ قَصَائِدُ حَسَّانٍ وَكَعْبٍ وَالْبُوصِيرِيِّ وَشَوْقِي.
*أُمَيَّةُ يُوسُفُ حَسَنُ أَبُوفَدَايَة*
الخرطوم
12 ربيع اول 1448ه
