السياسة السودانية في عهد الذكاء الاصطناعي!

السياسة السودانية في عهد الذكاء الاصطناعي!
——-
مصطفى عبدالعزيز البطل
…..

بلغ مستوى الاحتيال في السياسة السودانية والخطاب السياسي العام حدّاً يصعب معه أحياناً التمييز بين الموقف السياسي الحقيقي، وبين ما تنتجه الآلة (الذكاء الاصطناعي)، ثم يُقدَّم للرأي العام باعتباره موقفاً صادراً عن جهة سياسية بكامل عضويتها ومؤسساتها!

الورقة الأخيرة لتحالف حمدوك، المتغيّر المتجدّد، الصادرة عن اجتماعهم في أديس أبابا بعنوان «عملية السلام التي نريد»، تقدم مثالاً صارخاً على ذلك، فناهيك عن أن أحداً لم يدعو هذه المجموعة أساساً إلى «عملية السلام»، ومعلوم ان عمليات السلام (peace process ) انما تدعى اليها الاطراف المتحاربة، وهم بحسب ادعائهم ليسوا طرفاً محارباً.. وما أعلنته قيادة الحكومة هو «عملية حوار سياسي» وليس “عملية سلام”!

ولكن هذا ليس موضع اهتمامي هنا، الذي أدهشني وحيرني غاية الحيرة عند قراءتي لورقتهم الصادرة اول امس ان الورقة مصاغة او على الاقل تعتمد اعتماداً كلياً على أدوات الذكاء الاصطناعي في الصياغة والهيكلة، إلى درجة أن تحليل أحد كواشف الكتابة الآلية انتهى إلى أن وثيقة أديس أبابا «نص آلي خالص»، مستنداً إلى جملة من السمات اللافتة، وأنا هنا أنقل عن الذكاء الاصطناعي نفسه، فهاك، أعزك الله، إقرأ وشاركني الدهشة:
———-
نص الوثيقة يتميز ب:

  • معمارية القوالب المتكررة، حيث يُختزل كل قسم تقريباً في جداول ذات أعمدة ثابتة: المؤشر، الشرط، المالك، الأثر؛ وهي بنية توليدية واضحة أكثر من كونها نتاجاً طبيعياً لوثيقة سياسية.
  • إضافة ما يمكن تسميته بـ«طبقة النظافة المعرفية»: درجات ثقة معلنة، وسُلَّم مصادر A/B/C/D، وتنبيهات بأن النسب «لا تمثل تنبؤاً يقينياً»، وتذييل من نوع «تقدير تحليلي لا يساوي اتهاماً قانونياً».
  • وجود ملحق كامل لتدقيق ادعاءات الورقة نفسها وتصحيحها، وهو نمط تحريري شائع في المخرجات التي تُنتج أو تُراجع بمساعدة النماذج اللغوية.
  • استخدام درجات تقييم عشرية من قبيل 8.5/10 و2.5/10 لوثيقة يفترض أنها تعبر عن رؤية سياسية؛ وهي بلاغة رقمية تبدو أقرب إلى إجابة نموذج لغوي منها إلى وثيقة صادرة عن تحالف سياسي يفترض أنه أمضى وقتاً في التفكير والنقاش والتفاوض.
    ———
    ولكن الأدهى من ذلك أن من كتب الورقة، أو نقلها عن الذكاء الاصطناعي، لم يكلف نفسه حتى عناء إزالة آثار الصياغة الآلية لا في الألوان ولا في القوالب ولا في تراكيب الجمل المتقعرة، ولا في تلك العبارات الملساء والمعلّبة التي باتت من العلامات الأكثر وضوحاً على النصوص المولدة آلياً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد تُركت البصمات كما هي، ثم وُضعت فوقها لافتة كبيرة تقول: «موقف سياسي لتحالف سوداني»!

المشكلة هنا ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، فالذكاء الاصطناعي أداة، ويمكن استخدامه في البحث والتحليل والتحرير كما تُستخدم أي أداة أخرى. المشكلة تبدأ حين تتحول الأداة إلى بديل عن التفكير السياسي نفسه. وحين تُنتزع مخرجات نموذج لغوي من سياقها، وتُقدَّم باعتبارها حصيلة نقاش سياسي جماعي ورؤية لتحالف وموقفاً تفاوضياً، بل وربما تصوراً لمستقبل بلد بائس يخوض حرباً مدمرة!

عندها لا يعود السؤال: من كتب الورقة؟ بل يصبح السؤال الأكثر إحراجاً: من فكّر فيها؟!

وهنا تكمن المفارقة السودانية العبثية الاحتيالية: تحالف سياسي يفترض أنه يضم قيادات وأحزاباً وشخصيات عامة ومؤسسات ولجاناً وخبراء، ثم ينتهي به الأمر إلى تقديم نص يمكن للآلة أن تنتجه في دقائق، من دون حتى أن يبذل من نقلوا عنها جهداً كافياً لإخفاء آثارها. هذه ليست مشكلة تقنية، بل قضية سياسية وأخلاقية. فالورقة السياسية ليست مسابقة في تنسيق الجداول، ولا عرضاً تجارياً لميزات الذكاء الاصطناعي. الورقة السياسية يفترض أن تكون حصيلة موقف، وتجربة، ونقاش، ومصالح، وتقديرات، ومسؤولية سياسية يتحمل أصحابها تبعاتها أمام الناس.

أما أن تنتج الآلة الورقة، ثم يُنسب التفكير إلى التحالف، وتُنسب المسؤولية إلى أعضائه، وتُنسب الشرعية إلى مؤسساته فتلك بدعة جديدة، بل إنها ببساطة مفرطة استيراد للكسل الفكري وتغليفه في هيئة مؤسسة سياسية تحالفية. والأكثر إثارة للسخرية أن الورقة لا تخفي اعتمادها على القوالب الآلية، بل تكاد تحتفل بذلك. حتى «النظافة المعرفية» المبالغ فيها، والتحفظات المعيارية، ودرجات الثقة، والتقييمات العشرية، والملحق الذي يراجع الورقة نفسها، كلها تبدو أحياناً كأنها مخرجات نموذج لغوي لم يجد من يملك الحد الأدنى من الاجتهاد السياسي لتهذيبها قبل تقديمها للناس!

ونكرر: إن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس عيباً. أن تستخدمه ليفكر بدلاً منك ثم تطلب من الناس أن يصدقوا أنك أنت الذي فكرت وأنتجت وكتبت هو العيب الفاضح!