البصل،،،رافعة اقتصادية مهملة في زمن الحرب

بقلم
وليد دليل
خبير مصرفي

من بين كل المحاصيل التي أنعم الله بها على أرض السودان، يظل البصل واحدا من أكثرها ظلما في التقدير، فهو محصول لا يحتاج إلى دعاية ولا إلى حملات ترويج ليثبت جدواه، بل يكفي أن ينظر المرء إلى خارطة الزراعة في البلاد ليدرك أن هذا المحصول المتواضع في شكله، الحاضر في كل بيت سوداني، يحمل داخله طاقة اقتصادية لم تُستثمر بعد كما ينبغي. فالجزيرة، بتربتها الطينية الخصبة ومياهها المروية، تعطي محصولها في مارس بعد أن تُزرع في يوليو وأغسطس، بينما تأخذ الشمالية ومنطقة شندي دورة زمنية مختلفة تبدأ متأخرة في يناير ونوفمبر لتصل إلى الحصاد في يونيو وتُسوَّق بعده بأشهر، وتسبقهما كسلا في الشرق حيث تُزرع مبكرا ليقطف إنتاجها ويصل إلى الأسواق في ديسمبر ويناير. هذا التداخل الزمني بين الأقاليم ليس تفصيلا فنيا عابرا، بل هو جوهر الميزة التي كان يمكن أن يُبنى عليها موقع تصديري سوداني ثابت، ذلك أن قلة من الدول المنتجة للبصل في المنطقة تملك هذا التنوع في مواعيد الحصاد الذي يسمح بتغطية شبه دائمة للسوق دون الاصطدام بموسم واحد ضيق يتزاحم فيه الجميع.

لكن الحرب التي اندلعت قبل نحو ثلاث سنوات لم تترك هذه الخارطة كما كانت. فإقليم الجزيرة، الذي يمثل عمود الإنتاج المروي في البلاد، تحول إلى ساحة قتال طويلة، تعطلت فيها مواسم كاملة، وتشرد مزارعوها، وتضررت قنوات الري التي بُنيت عليها عقود من الخبرة الزراعية. ومع تراجع مساهمة الجزيرة، وجدت الشمالية وكسلا نفسيهما أمام عبء تعويض لم تكونا مؤهلتين له بالكامل، فالكثافة الإنتاجية هناك أقل، وشبكات النقل والتسويق أضعف، وهو ما ينعكس في النهاية على حجم الفائض القابل للتصدير، وعلى تذبذب حاد في الأسعار المحلية بين مواسم تغرق فيها الأسواق بالبصل حتى يكاد ثمنه لا يغطي كلفة قلعه وتعبئته، ومواسم أخرى يشح فيها المعروض فترتفع الأسعار بصورة تثقل كاهل المستهلك.

أما على صعيد الأسواق الخارجية، فقد ظلت السعودية ودول الخليج الوجهة الأولى تاريخيا لصادرات البصل السوداني، إلى جانب مصر وليبيا كوجهتين طبيعيتين ضمن دول الجوار المباشر. غير أن إثيوبيا تستحق أن تُذكر بوصفها سوقا مهما إلى جوار هذه الوجهات، ذلك أن جزءا من الطلب الإثيوبي على البصل السوداني لا يرتبط بالاستهلاك الغذائي المباشر فحسب، بل يتصل بصناعة التقطير التي تمثل أحد فروع الصناعة الإثيوبية النشطة، وهو ما يمنح هذا السوق طابعا مختلفا عن الأسواق الخليجية القائمة على الاستهلاك المنزلي والتجاري التقليدي. ومن اللافت أن العلاقة التصديرية مع مصر شهدت في وقت من الأوقات تجربة مقايضة طريفة، حين اشترطت الجهات المختصة في السودان ربط استيراد البرتقال المصري بتصدير كميات مقابلة من البصل السوداني، في محاولة لاستخدام هذا المحصول كأداة موازنة تجارية لا مجرد سلعة تُباع وتُشترى بمعزل عن سياق أوسع. وتبقى الإشارة هنا واجبة إلى أن الأرقام الدقيقة لحجم هذه الصادرات وقيمتها، في ظل شح البيانات الرسمية المنشورة من الجانب السوداني خلال سنوات الحرب، يمكن الاستدلال عليها بصورة أدق من سجلات الجمارك والتجارة في الدول المستوردة نفسها، وهي الجهة الأكثر انتظاما في توثيق حركة هذه السلعة عبر حدودها.

غير أن الفجوة الحقيقية بين ما تملكه البلاد من إمكانات وما تحققه فعليا لا تكمن في الإنتاج وحده، بل في كل ما يأتي بعده. فالمصدر السوداني لا يزال يفتقر إلى منشآت تعبئة وتخزين مبرد كافية بالقرب من الموانئ، خاصة في محيط بورتسودان وسواكن، وهو ما يرفع نسب الفاقد ويجعل الشحنات أقل قدرة على منافسة بصل الدول المجاورة من حيث الجودة والمظهر عند الوصول. وتزداد الصورة تعقيدا حين ننتقل إلى الجانب التمويلي، حيث يواجه المصدرون غياب علاقات مصرفية مراسلة مستقرة تسمح بفتح اعتمادات مستندية موثوقة أو تحويلات آمنة مع الجهات المستوردة، وهذا انعكاس مباشر لتداعي شبكة البنوك المراسلة السودانية جراء العقوبات والحرب معا، ما يدفع كثيرا من الصفقات إلى قنوات غير رسمية تحمل مخاطر عالية على المصدر الصغير الذي لا يملك ضمانات كافية لتحصيل مستحقاته في حال تعثر أو تلاعب من الطرف الآخر. ويُضاف إلى ذلك عدم استقرار قاعدة المصدرين أنفسهم، إذ يدخل السوق في مواسم الذروة كثير من الوسطاء غير المتخصصين ثم ينسحبون بمجرد أن تنقلب الأسعار، وهو ما يُضعف الثقة التعاقدية طويلة المدى مع المستوردين في الخليج ومصر وإثيوبيا على حد سواء.

ومع ذلك، فإن الحوافز الكامنة في هذا القطاع تبقى أكبر من معوقاته. فالمزارع السوداني يملك تجربة تراكمية في أصناف بذور محلية مثل “أبو فروة” التي تتحمل ظروف التخزين والنقل خيرا من كثير من الأصناف المستوردة، كما أن كلفة الإنتاج النسبية لا تزال أقل من نظيراتها في دول الجوار، وهو ما يمنح البصل السوداني هامشا تنافسيا سعريا حقيقيا لو تحسنت جودة الفرز والتعبئة. وأي برنامج جاد لإصلاح الزراعة التصديرية في مرحلة ما بعد الحرب لن يكون مكتملا دون أن يضع هذا المحصول ضمن أولوياته، نظرا لقصر دورته الزراعية مقارنة بمحاصيل أخرى، وقدرته على توليد دخل سريع نسبيا للمزارعين الصغار في مناطق لم تستعد بعد كامل طاقتها الإنتاجية.

وفي النهاية، فإن مستقبل هذا القطاع مرهون بثلاثة شروط متلازمة، أولها عودة الاستقرار الأمني إلى الجزيرة بوصفها عمود الإنتاج الرئيسي، وثانيها إصلاح حقيقي لمنظومة التمويل التجاري الخارجي يعيد بناء الثقة بين المصدر السوداني والمستورد في الخليج ومصر وإثيوبيا، وثالثها استثمار مباشر في بنية التبريد والتخزين قرب الموانئ. وبين هذه الشروط الثلاثة تكمن المسافة الفعلية التي تفصل البصل، اليوم، بين كونه محصولا موسميا يُباع بأسعار متذبذبة في سوق محلي مضطرب، وبين أن يتحول إلى رافد مستقر لموارد البلاد من النقد الأجنبي في مرحلة إعادة الإعمار المقبلة.

وليد دليل — خبير مصرفي