من يُسائل صانع القرار؟ ملف العسجد وأسئلة المحاسبة الغائبة


وليد دليل — خبير مصرفي


حين تتحول قضية شركة مغمورة إلى عنوان يتصدر النقاش العام لأيام متتالية، فإن الأمر لا يتعلق بشركة بعينها بقدر ما يتعلق بثقة كاملة تتآكل في الطريقة التي تُتخذ بها القرارات المصيرية داخل أهم مؤسسة مالية في البلاد. فملف “العسجد للحلول الذكية والرقمية” الذي بدأ كخبر عابر عن منح ترخيص تشغيل محول للمعاملات المالية، تحول خلال أيام معدودة إلى قضية رأي عام تطرح أسئلة أعمق بكثير من مصير شركة واحدة، أسئلة تمس هيبة بنك السودان المركزي ذاته، وتطرح احتمالات جادة عن إطاحة وشيكة بعدد من المسؤولين الذين وقفوا خلف هذا القرار أو سهّلوا تمريره.
الوقائع كما تكشفت للرأي العام تشير إلى أن بنك السودان المركزي كان قد منح تراخيص لتشغيل محولات المعاملات المالية لعدد من الشركات، من بينها العسجد وبرايت تكنولوجيز ونهضة للتقنية وسودا بوست، قبل أن تتوالى الأسئلة حول الجهات الحقيقية الواقفة خلف شركة العسجد تحديداً، وارتباطاتها المشبوهة، وفرعها في دولة الإمارات. الضغط الإعلامي والصحفي المتصاعد دفع محافظ البنك المركزي إلى إصدار قرار بإلغاء الترخيص الممنوح للشركة، مستندة في ذلك إلى توصية لجنة فنية وقانونية شُكّلت لمراجعة أوضاعها وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية المعتمدة. غير أن هذا الإلغاء، رغم أهميته كخطوة تصحيحية، لا يجيب عن السؤال الجوهري: كيف تم منح الترخيص أصلاً لجهة لم تخضع لتدقيق كافٍ قبل التوقيع والاحتفال بالتدشين؟
هنا يبرز البعد الأمني للقضية بوضوح شديد، ذلك أن الحديث لا يدور عن صفقة تجارية عادية، بل عن منح صلاحية الوصول إلى بيانات مصرفية حساسة تخص ملايين المواطنين، في ظل بلد يعيش حرباً لا تزال فصولها مفتوحة، وفي ظل اتهامات متكررة بوجود شبكات نفوذ مرتبطة بأطراف الصراع تحاول التسلل إلى مفاصل الاقتصاد والقطاع المالي. حين يُثار الحديث عن ارتباط شركة ناشئة بأطراف متنازع عليها، فإن السؤال الأمني يصبح أولوية تسبق حتى السؤال الاقتصادي: من الذي دفع باتجاه هذا الترخيص؟ وهل كانت هناك جهات ضغطت على الإدارة الفنية بالبنك لتمرير هذا الاختيار متجاوزة الإجراءات الاعتيادية للتدقيق؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تتم عبر بيان صحفي مقتضب، بل تستوجب تحقيقاً مستقلاً يشمل كل من وقّع أو أوصى أو صادق على هذا الترخيص منذ اللحظة الأولى.
أما البعد الاقتصادي فلا يقل خطورة، فشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية “إي بي إس” كانت ولا تزال الذراع التقنية الرسمية لبنك السودان المركزي منذ نهاية التسعينيات، بملكية موزعة بين البنك نفسه ومجموعة المصارف السودانية وشركة سودتل، وهو ما يعني أن أي نقل لمهام حساسة من هذا الكيان المملوك جزئياً للدولة إلى شركات خاصة ناشئة لا تملك فيها الدولة حصة تُذكر، يستدعي مبرراً اقتصادياً ومؤسسياً واضحاً لم يُقدَّم حتى الآن للرأي العام. فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: من الذي اتخذ قرار توسيع دائرة مشغلي المحولات المالية لتشمل شركات خاصة بينما يوجد كيان مملوك جزئياً للدولة قادر على القيام بهذا الدور؟ وهل خضع هذا التوسع لدراسة جدوى اقتصادية ومخاطر حقيقية، أم أنه جاء استجابة لضغوط ومصالح لا علاقة لها بالكفاءة الفنية أو الأمن المالي؟
اللافت أن البنك المركزي، في محاولة لاستدراك الموقف، أصدر مؤخراً ضوابط تنظيمية جديدة تُلزم جميع الجهات المرخصة بعدم الشروع في أي علاقة تعاقدية أو تشغيلية أو تبادل بيانات دون موافقته المسبقة، وشكّل لجنة طارئة تضم الإدارة القانونية وشركة إي بي إس لمراجعة الطلبات المستقبلية. هذه الخطوات، رغم إيجابيتها الظاهرية، تطرح سؤالاً محرجاً بذاته: لماذا لم تكن هذه الضوابط قائمة أصلاً قبل منح التراخيص الأربعة؟ ولماذا يأتي التصحيح دائماً بعد وقوع الأزمة وليس قبلها؟ إن الاكتفاء بمعالجة حالة العسجد وحدها، دون إخضاع الشركات الثلاث الأخرى الحاصلة على تراخيص مماثلة لمراجعة موحدة وشفافة، سيجعل من هذا الإجراء مجرد تهدئة مؤقتة لضغط الرأي العام لا معالجة حقيقية لجذر المشكلة.
تحديد المسؤولين عن هذا العبث يستوجب مساراً واضحاً لا يقوم على التخمين أو الاكتفاء بإقالة رمزية لموظف أو اثنين، بل يبدأ بالكشف عن محاضر اللجنة الفنية التي أوصت بمنح الترخيص أصلاً، ومعرفة الأسماء التي صادقت على القرار في كل مرحلة من مراحله، بدءاً من التقييم الفني وانتهاءً بحفل التدشين الذي سبق الفضيحة بأيام قليلة. كما يستوجب الأمر مراجعة صريحة لدور الجهات الرقابية والأمنية التي يفترض أن يكون لها رأي استشاري في أي ترخيص يمس البيانات المالية للمواطنين، خاصة في ظل تسريبات متكررة عن نفوذ جهات مرتبطة بأطراف الحرب داخل مفاصل مؤسسات الدولة الاقتصادية.
في نهاية المطاف، فإن قضية العسجد ليست سوى عارض لمرض أشمل يتمثل في غياب آليات المحاسبة المؤسسية، وتحول القرار المصيري إلى مساحة رمادية يتقاطع فيها النفوذ السياسي والأمني مع المصلحة الاقتصادية دون رقيب حقيقي. وإذا كان بنك السودان المركزي جاداً في استعادة هيبته وثقة الجمهور به، فإن الخطوة الأولى لا تكمن في إلغاء ترخيص شركة واحدة، بل في فتح تحقيق شفاف يُعلن نتائجه للرأي العام، ويُسائل كل من ساهم في صناعة هذا القرار الخاطئ منذ يومه الأول، لأن السودان في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه لا يحتمل ترف تكرار الأخطاء ذاتها تحت مسميات مختلفة.