الثورة التي بدأت بـ”معالي”!

الثورة التي بدأت بـ”معالي“!
——
مصطفى عبدالعزيز البطل

جاء في خبر قرأته قبل قليل أن “معالي” وزير الخارجية اختتم زيارته إلى جنيف، فلله الحمد والمنة على سلامته. والحق أن الزيارة لا تعنيني في شيء، ولكن كلما وقعت عيني على كلمة “معالي” تسبق اسم مسؤول أصابتني حيرة، لا تلبث أن تزول حين أتذكر أن جهاز الدولة في السودان فقد منذ زمن بعيد كثيراً من تقاليده ونظمه البروتوكولية، فأصبحت الخدمة العامة، على مختلف مستوياتها الرئاسية والوزارية وما دونها، أشبه بما يقال عنه: “سداح مداح”.

واليوم غدت ألقاب بروتوكولية مثل “معالي” و”صاحب المعالي” تُطلق على الوزراء والولاة، بل وأحياناً على من هم دونهم، كما شاع لقب “دولة” لرئيس الوزراء، حتى أصبحت هذه الألقاب تتدفق يومياً في بيانات الأجهزة الرسمية، وترددها وسائل الإعلام والصحف وكأنها جزء أصيل من تقاليد الدولة.

ونعلم بالطبع أن هذه الألقاب ترجع في أصولها إلى تقاليد بروتوكولية تأثرت بالإدارة العثمانية، ثم بالمدرستين البريطانية والفرنسية. وهي تقابل في الإنجليزية ألقاباً مثل His Excellency وThe Honourable، بحسب طبيعة المنصب والنظام الدستوري. وفي الدول التي تأخذ بهذه الألقاب توجد، بالضرورة، قوانين ومراسيم راسخة تحدد على وجه الدقة من يستحق أي لقب، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية ودول الخليج والأردن، فضلاً عن عدد من الجمهوريات التي تنظم هذه المسألة بنصوص قانونية واضحة.

ومما يثير الدهشة أن دار الوثائق القومية في السودان تحتفظ بمنشور صادر عن الخليفة عبدالله التعايشي ينظم استخدام الألقاب في الدولة المهدية، وقد اطلعت عليه شخصياً. ولم يبق في ذاكرتي منه سوى العبارة اللافتة: “ولا سيد إلا السيد المكي.” أي أن لقب “السيد” كان مقصوراً، آنذاك، على السيد المكي وحده.

وبعد انقلاب السابع عشر من نوفمبر 1958 صدر منشور جديد لتنظيم الألقاب الرسمية، فأصبح اللقب الرسمي لرئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الفريق إبراهيم عبود، هو “صاحب المعالي”، بينما حمل أعضاء المجلس والوزراء لقب “معالي”. غير أن هذا التنظيم لم يدم طويلاً؛ إذ ألغته حكومة سر الختم الخليفة عقب سقوط النظام العسكري، وأصدرت مرسوماً يقضي بأن يكون اللقب الرسمي لجميع المسؤولين في الدولة هو “السيد”. واستمر العمل بذلك طوال سنوات الديمقراطية الثانية.

وتواصل الاقتصار على لقب “السيد” بعد انقلاب مايو 1969، إلى أن أُنشئ الجهاز المركزي للرقابة العامة للإشراف على الخدمة العامة والمدنية، وعُيّن المرحوم الرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر عضو مجلس قيادة الثورة رئيساً له. وفوجئ الناس يومئذ بمنشور صادر عن الجهاز يقضي بسحب لقب “السيد” من جميع المسؤولين في الدولة، واستبداله بلقب “الأخ”. فأصبحت تسمع في نشرات الأخبار وتقرأ في عناوين الصحف “الأخ الرئيس جعفر نميري يقوم بزيارة إلى إثيوبيا”، على سبيل المثال. لكن هذا التغيير لم يلق قبولاً لدى بعض قادة النظام، فلم تمض فترة طويلة حتى صدر قرار بإعادة لقب “السيد” إلى مكانه.

ثم جاءت انتفاضة أبريل 1985، وحكومتها الانتقالية، ثم سنوات الديمقراطية الثالثة، وظل اللقب الرسمي للرئيس والوزراء وجميع المسؤولين هو “السيد”. واستمر هذا التقليد طوال العقود الثلاثة من حكم الإنقاذ، دون أن يطرأ عليه أي تغيير.

ثم، فجأة جاء التغيير عام 2019، فتولت الأمر حكومة جديدة برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك، فأعادت السودان خمسةً وخمسين عاماً إلى الوراء، إلى عهد الفريق عبود ومنشور انقلاب السابع عشر من نوفمبر 1958، فأُزيح لقب “السيد”، وعاد رئيس الوزراء يُخاطب بـ”دولة رئيس الوزراء” و”معالي رئيس الوزراء”، وأصبح الوزراء، بل وكثير من المسؤولين، يحملون ألقاب “معالي” و”صاحب المعالي”!

وبحكم أنني أحد أبناء الخدمة العامة السودانية، ومن المهتمين بتاريخها وتطورها، فقد ظللت أتساءل وباستمرار: هل كان هذا التحول يعبر عن فلسفة سياسية بعينها؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي هذه الفلسفة؟ ذلك أن الثورات، عبر التاريخ، تنزع إلى تبسيط مظاهر السلطة، لا إلى تضخيمها. ولعل الثورة الفرنسية، أم الثورات الحديثة، خير مثال على ذلك؛ إذ كان من أوائل قراراتها إلغاء ألقاب التفخيم والامتياز، واستبدالها بلقب واحد يجمع الجميع، المسؤولين في اجهزة الحكم وافراد الشعب سواءً بسواء، وهو لقب: “المواطن” (Citoyen) و”المواطنة” (Citoyenne) في تجسيد لمبدأ المساواة بين الحاكم والمحكوم.

ومن هذه الزاوية، يبدو المشهد مثيراً للمفارقة؛ إذ أصبح الدكتور عبدالله حمدوك ووزراء “الحرية والتغيير” الذين رفعوا شعار الثورة والتغيير، ثم استهلوا عهدهم بإحياء ألقاب تشريف كانت الدولة السودانية قد هجرتها منذ أكثر من نصف قرن، فعاد المسؤولون يُخاطبون بـ”معالي” و”صاحب المعالي” و”دولة”، بعد أن ظل لقب “السيد” هو اللقب الرسمي المستقر في الدولة طوال تلك العقود.

ولعل الخلاصة الأصدق أن الدولة لا تُقاس بما تمنحه من ألقاب، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس. فحين تستقيم المؤسسات، يغدو اللقب مجرد تفصيل بروتوكولي لا يلتفت إليه أحد؛ أما حين تضطرب، فإن الألقاب تتكاثر لتعويض ما غاب من المعنى. لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من “معالي” ولا ينتهي عند “دولة”، بل يبدأ من خدمة عامة محترمة، وقرار واضح، ومسؤول يعرف أن قيمته فيما ينجزه لا. فيما يُنادى به!

https://www.facebook.com/share/p/1CEwCA36oZ/?mibextid=wwXIfr