عفوية الشارع و وقار السلطة(هيبة الحكم والقيادة)

عفوية الشارع و وقار السلطة
(هيبة الحكم والقيادة)

الصادق محمد أحمد

تأسست الفلسفة السياسية منذ فجر التاريخ على ركيزة جوهرية مفادها أن رأس الدولة ليس مجرد فرد يمثل نفسه، بل هو تجسيد لسيادة الأمة ورمزية مؤسساتها التي تتطلب سياجاً من المهابة والوقار لضمان إستقرار العقد الاجتماعي و إنفاذ القانون ، لذلك فإن الحفاظ على هيبة الحكم يصبح واجباً سيادياً بالغ الأهمية ، فالرسائل التي تصدر عن قيادة الدولة تصنع الإنطباع الأساسي عن مدى تماسك المنظومة الحاكمة وقدرتها على ضبط المشهد.
بيد أن النمط الذي يتبعه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة و رأس الدولة السودانية ،والذي يُعرف إعلامياً بـ (الخروج عن البروتوكول) يثير تساؤلات استراتيجية عميقة حول جدوى هذه التحركات وكلفتها السياسية. إن مشاهد قيادة رئيس مجلس السيادة لعربة بيك أب (بوكس) شخصية لتوصيل طلاب المدارس في أم درمان ، أو ترجله المفاجئ وسط الحشود في أسواق الكلاكلة و عطبرة و دنقلا لتناول الليمون بالنعناع او العرديب ، أو جلوسه على الشارع لتناول الشاي والقهوة مع عامة الشعب – برغم ما تحمله من مساعٍ لإظهار البساطة والتضامن الإنساني مع المواطنين، أو إرسال رسائل أمنية عاجلة للداخل والخارج باستقرار الاوضاع في البلاد – إلا أنها في ميزان التقييم السياسي تظل تصرفات بحاجة إلى مراجعة رصينة وموضوعية ، فصناعة القبول الشعبي الجارف لا تتطلب من الحاكم التنازل عن وقار المنصب أو تذويب بروتوكول السيادة.

في العصر الحديث برز الرئيس العراقي السابق صدام حسين كنموذج استثنائي في إدارة كاريزما السلطة، فقد نجح في بناء شعبية واسعة وحاضنة جماهيرية ممتدة عبر خطاباته ولقاءاته، لكنه حافظ في الوقت ذاته على هيبة بروتوكولية صارمة ونظام أمني دقيق يمنع مظهر الحاكم من الإبتذال أو الإنكشاف الميداني، فظلت صورة الدولة محاطة بالمهابة والوقار في أدق الظروف.
وفي ذات السياق، أدار مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز آل سعود شؤون الحكم بهيبة فرضت احترام القوى الدولية، مع إبقاء مجالس القيادة مفتوحة لنبض المجتمع دون ابتذال ميداني. وعالمياً اعتمد الزعيم الفرنسي شارل ديغول على سياج من الغموض الرصين والوقار الصارم لإنتشال فرنسا من إنكسارها بعد الحرب، وصنع شعبية تاريخية إستندت إلى قوة القرار لا إلى التجول في أزقة الشوارع والأسواق .

إن إصرار الرئيس البرهان على تكرار هذه اللفتات العفوية يضع رمزية الدولة السودانية في منطقة خطر إعلامي وسياسي ،إذ تنطوي هذه التحركات على بعدين إستراتيجيين يخصمان من رصيد السلطة، أولهما : الإنكشاف الأمني للرمز السيادي ، حيث إن ترجل رئيس مجلس السيادة في تماس فيزيائي مباشر ومفاجئ وسط أسواق مفتوحة عشوائية، يرفع معدلات المخاطر الأمنية إلى حدها الأقصى خصوصاً في هذه المرحلة غير المستقرة ، ويجعل رمز الدولة عرضة لمواقف غير محتسبة قد توظفها الآلة الإعلامية المعادية في سياقات تهكمية تضر بوقار المؤسسة العسكرية والحاكمة ككل . وثانيهما : إرسال رسائل مشوشة إلى الداخل ، حيث إن محاولة بناء الحاضنة الشعبية عبر الإستعراض العاطفي المؤقت في الشارع قد تُفسر في بيئات الأزمات كعلامة على حاجة القيادة للدعم النفسي، بدلاً من أن تُفهم كدليل على قوة الدولة ، فالإستقرار الحقيقي الذي يطلبه المواطن يعبر عنه إنسياب الخدمات وسيادة القانون وبسط الأمن عبر الأجهزة الرسمية، وليس عبر الحضور الشخصي العابر لرأس الدولة لشرب العصير او التجول وسط الحشود.

إن النتيجة الحتمية التي يجب أن يستقر عليها فكر التخطيط السياسي في السودان هي أن بناء الدولة الحديثة يتطلب حسن التخطيط لبناء العلاقات بين الحاكم والمحكوم وتفعيل دولة المؤسسات، فشعبية الرئيس البرهان المستدامة لن تصنعها اللفتات البروتوكولية المؤقتة بل تصنعها القرارات الشجاعة والعدالة الناجزة وسن القوانين التشريعية الصارمة التي تحمي كرامة السودانيين وأمنهم ، والإهتمام بالبنى التحتية ، والإرتقاء بالخدمات والتعليم والصحة و محاربة الفساد والمحسوبيه، وحسم التفلتات الأمنيه وفوضى السلاح خارج نطاق القوات المسلحة. إن القيادة الرشيدة هي التي تدرك أن هيبة الحكم هي رأس مال الدولة الأغلى، وأن الحفاظ على وقار المنصب السيادي هو الخطوة الأولى نحو بناء وطن يحترم ذاته، ويفرض احترامه داخل وخارج الحدود.