الصادق محمد أحمد
يُعتبر نظم المدفوعات والتبادل التقني بين المصارف في اي دولة مرتكزاً أساسياً ومحركاً فعلياً للدورة الاقتصادية اليومية الأمر الذي يجعل من دراسة آليات تشغيلها وتقييم أوزان الشراكات فيها قضية أمن قومي من الدرجة الأولى وتتطلب فصلاً حاسماً بين الرغبة في مواكبة الحداثة وموجبات التحوط الدفاعي في بيئات الأزمات المعقدة ، لذلك فإن التوجه نحو تسليم رخصة (مقسم المقاصة والربط البنكي الموحد – Financial Switch) لشركات وليدة تتبع القطاع التجاري في مناخ يتسم بالاستقطاب الشديد وإستهداف المقدرات الوطنية عبر حرب إقتصادية شرسة يستدعي مراجعة تحليلية عميقة لمفهوم (الحماية المعلوماتية) ، لأن هذه المقاسم الجيو-اقتصادية ليست مجرد وسائط برمجية أو تطبيقات رقمية عابرة لنقل الأموال، بل هي بمثابة جهاز العصب المركزي للشبكة المصرفية بأكملها (Interbank Network)، والوعاء الحاكم والركيزة المرجعية الحاضنة لكافة التدفقات النقدية والأوعية الادخارية والتحويلات البينية والرواتب والبيانات البنيوية لملايين المواطنين والمؤسسات الحيوية ، وفي فقه الحواضن الأمنية يُعد بسط يد الدولة الصارم على هذه البيانات خط الدفاع الأخير ضد عمليات الاستطلاع والتجسس الاقتصادي، وتحركات الهندسة الاجتماعية التي يمكن أن تستغلها قوى إقليمية معادية لتجفيف السيولة أو تقويض الثقة في النسيج المصرفي ، لذلك فإنه من الأهمية بمكان ألا تفرط الدولة في أمنها الرقمي لصالح شركات تجارية ناشئة تنفرد بإدارة خوادمها المتغلغلة في صلب النظام المصرفي التقني للدولة.
شركة العسجد قالت في بيان لها-بعد الانتقادات التي وُجهت للصفقة- إن ما تم من إجراء من قبل البنك المركزي السوداني بمنحها رخصة مشغل المحول المالي عبارة عن ( نهج تنظيمي معتمد عالمياً) ، وهو إدعاء يتصادم مع حقائق الحوكمة المصرفية الدولية ، إذ تخلط هذه الرؤية المضللة بين مستويين منفصلين تماماً في هندسة التقنيات المالية ، فالأعراف العالمية تتيح بالفعل للقطاع الخاص والشركات الناشئة تقديم خدمات (الدفع الفرعية) وتطبيقات المحافظ الرقمية الاستهلاكية (FinTech Applications)، لكنها لا تمنحها مطلقاً حق ملكية أو إدارة (المقسم الوطني الحاكم -National Switching Infrastructure) . إن القواعد التوجيهية الصادرة عن مؤسسات الرقابة المالية الدولية وفي مقدمتها بنك التسويات الدولية (BIS) واللجنة الدولية لنظم الدفع والتسوية (CPMI) تشترط تصنيف المقسم المالي القومي كـ (نظام مدفوعات ذو أهمية نظامية قصوى -Systemically Important Payment System). هذا التصنيف الدولي يفرض وجوب خضوع النظام لإدارة سيادية مباشرة أو لرقابة صارمة لا تملك فيها الشركات التجارية حق التحكم المنفرد في الخوادم أو تشفير البيانات، مما يجعل إدعاء المحاكاة للنهج العالمي مجرد غطاء تجاري يتغافل عن متطلبات حماية الأمن القومي ومبادئ الحماية الرقمية للدول.
في جمهورية مصر العربية مثلاً، تُدار المنظومة الوطنية للمدفوعات وشبكة التجزئة الموحدة (ميزة) عبر شركة (بنوك مصر -EBC)، وهي كيان يمتلك فيه البنك المركزي المصري الكتلة التصويتية والسيادية المهيمنة بالكامل، وتتحرك تحت الرقابة المباشرة للاستخبارات المالية والمؤسسات الأمنية ، وفي روسيا الاتحادية شَكّل نظام (NSPK) لإدارة بطاقات (مير) المملوك بالكامل للمصرف المركزي الروسي حائط الصد الذي امتص الصدمات النقدية وحافظ على تماسك الجبهة الاقتصادية إبان موجات العزل الدولية وفصل البلاد عن النظم العالمية ،وبالمثل إستقرت جمهورية الهند على نموذج المظلة الوطنية للمدفوعات (NPCI) التي تجمع البنوك الكبرى تحت إشراف نقدي رسمي مباشر ، هذه الأمثلة تؤكد أن إدارة المنظومات التقنية الحاكمة هي قضية سيادية لا تقبل الخصخصة أو التعهيد لجهات غامضة ربما يكون لها (إمتدادات اقليمية غير مريحة) يشكل إعطاءها مثل هذه الصلاحيات خطورة على الأمن القومي السوداني .
الجانب الذي يجب أن يُنظَر إليه بصورة جادة هو أن الشركات التجارية تتحرك مدفوعة بنيوياً بعقيدة (الربحية والتوسع التجاري السريع)، وهو سلوك يتناقض بالكلية مع (عقيدة التحوط الأمني الصارم) ،فالأمن السيبراني القومي يتطلب إستثمارات ضخمة ومستمرة في الدفاعات الرقمية، وبناء شبكات النسخ الاحتياطي اللامركزية المتعددة (Redundancy Systems)، وفصل الشبكات الفيدرالية، وهي أعباء مالية وفنية لا تقوى عليها عادة الشركات التجارية الوليدة، مما يضع القرار الاقتصادي بأسره تحت رحمة مشغل فردي يتحكم في واجهات النظام وشفراته الأساسية ومفاتيح التشفير (Encryption Keys).
تتضاعف هذه المخاطر عند ربط الأنظمة المصرفية بـ (البيئات السحابية الرقمية – Cloud Systems) ،فغياب مراكز البيانات المحلية المحصنة فيزيائياً داخل النطاق الجغرافي الآمن للدولة (On-Premise Servers) يفتح ثغرة يصعب رتقها أمام الهجمات السيبرانية الهجينة العابرة للحدود ، وذلك لإن المشغل الخاص الذي يعتمد على برمجيات جاهزة ومستوردة يعرض البنية التحتية لمخاطر (الأبواب الخلفية – Backdoors) وثغرات (Zero-Day)، التي تتيح للقوى الإقليمية المعادية شل الحركة المالية للدولة أو تجميد الأرصدة بضغطة زر واحدة ، علاوة على ذلك تتيح خوارزميات تحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics) تتبع السلوك المالي للمجتمع، ورصد الكتلة النقدية المتداولة، بل والاطلاع غير المباشر على خطوط إمداد وتمويل القطاعات العسكرية والأمنية الحيوية . من هنا تبرز فجوة واضحة ومفارقة مقلقة عند إسقاط هذه المعايير الدولية على الواقع المحلي إذ تمتلك الدولة بالفعل ذراعاً فنية وطنية عريقة ومؤهلة، وهي شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) المملوكة للبنك المركزي والمصارف الوطنية، ولديها تجارب تراكمية ممتدة في إدارة الأنظمة النقدية ، فلصالح من تم القفز فوقها وإستبدالها بكيان تقني خاص لم يخضع لسنوات من إختبارات الجهد، وتأسس فقط قبل أشهر معدودة؟ ألا يمثل ذلك مجازفة وشذوذاً عن الأعراف المصرفية العالمية وتراجعاً غير مبرر عن قواعد المرونة المؤسسية؟.
إن تتبع سرعة صعود الشركات الناشئة ووصولها إلى مراكز القرار المالي في هذه الظروف الاستثنائية يفرض التزاماً صارماً بمبدأ (التحقق الأمني المسبق والمستمر – Due Diligence) لكل الشراكات، للتأكد من خلوها من أي ارتباطات مشبوهة قد تُستخدم كأحصنة طروادة رقمية ، والنتيجة الحتمية التي يجب أن ينتهي إليها فكر التخطيط الاستراتيجي بالدولة هي أن التطور التكنولوجي والتحول الرقمي مسار حتمي لتجاوز الأزمات وكسر العزلة، شريطة أن يولد ويُدار في غرف السيادة الوطنية بالكامل. لا يمكن رهن الاستقرار النقدي والسجل الشامل للاقتصاد للمغامرات التجارية أو الحلول البرمجية المستوردة غير المختبرة عملياً في أوقات الطوارئ القصوى، إن تأمين معاش المواطنين وحفظ أسرار الدولة المالية وضمان تدفق النبض في جسد المنظومة المصرفية هي معارك سيادية بامتياز ، معارك تتطلب إبقاء شفرات التحكم العليا ومراكز الإدارة الفيزيائية ومفاتيح التشفير الأساسية تحت الإشراف المباشر والمطلق للدولة وأجهزتها النقدية والرقابية الرسمية، فالتساهل في هندسة التقنية اليوم هو تنازل مباشر عن شروط القرار المستقل غداً، و على صناع القرار أن يدركوا أن أسرار الدولة الاقتصادية ليست بضاعة أو مالاً يُوضع في جيبين ، أو جيب هذا أو ذاك، فجيب الدولة أولى من غيره .
