السفير.د.معاوية البخاري
منذ عودة التوترات الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران، ثم اتساع رقعة المواجهة المرتبطة بالحرب الإسرائيلية في المنطقة، بدأ المشهد الإقليمي وكأنه يتحرك فوق حافة انفجار شامل، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة وخرائط النفوذ الدولي. وفي قلب هذا المشهد تقف دول الخليج العربي بوصفها الطرف الأكثر التصاقًا بتداعيات الحرب، بحكم الجغرافيا والمصالح والبنية الأمنية والاقتصادية المشتركة مع العالم.
ورغم أن معظم دول الخليج تُعد حليفًا استراتيجيًا لواشنطن، فإن طبيعة التهديدات الحالية دفعتها تدريجيًا إلى تبني مقاربة أكثر حذرًا تجاه الحرب، تقوم على تقليل الكلفة، ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وفتح المجال أمام تسويات سياسية تعيد ضبط التوازنات الإقليمية، بدلًا من الانحياز أو الانخراط في مشروع استنزاف طويل قد يهدد الجميع بلا استثناء.
الجغرافيا تفرض منطقها على السياسة
تاريخيًا، لم تكن دول الخليج قادرة على التعامل مع أي حرب إقليمية باعتبارها حدثًا بعيدًا أو معزولًا. فالمياه المشتركة، والمضائق البحرية، والمنشآت النفطية، وحركة التجارة والطاقة، كلها تجعل الخليج أول المتأثرين بأي تصعيد عسكري.
لهذا السبب، فإن الحسابات الخليجية تختلف عن الحسابات الإسرائيلية أو حتى الأمريكية. فواشنطن تستطيع إدارة الصراع من خارج المنطقة، بينما تتحمل دول الخليج الكلفة المباشرة لأي خطأ استراتيجي أو انفلات أمني. كما أن إيران، بحكم الجوار الجغرافي، ليست خصمًا بعيدًا يمكن عزله بالكامل، بل دولة تتقاطع مع الخليج في ملفات الأمن البحري والطاقة والتجارة والحدود المائية.
ومن هنا يمكن فهم الحذر الخليجي المتزايد تجاه فكرة الحرب الشاملة، حتى مع استمرار التحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة.
استهداف القواعد الأمريكية… والخطر على المدنيين
واحدة من أكثر القضايا التي أثارت القلق الخليجي خلال التصعيد الأخير هي التهديدات الإيرانية المتعلقة باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. فإيران تدرك أن البنية العسكرية الأمريكية في الخليج تمثل مركزًا رئيسيًا لأي عمليات عسكرية ضدها، ولذلك تحاول توظيف ورقة الردع عبر التلويح بضرب هذه القواعد.
غير أن المشكلة الأساسية بالنسبة لدول الخليج تكمن في أن أي استهداف للقواعد الأمريكية لن يبقى محصورًا في الإطار العسكري. فالتشابك الجغرافي بين المنشآت العسكرية والمدن الكبرى والبنى الاقتصادية يجعل المدنيين والبنية التحتية عرضة للخطر المباشر.
ولذلك تتعامل العواصم الخليجية مع التصعيد بوصفه تهديدًا مزدوجًا:
1. تهديدًا أمنيًا يمس الاستقرار الداخلي.
2. وتهديدًا اقتصاديًا قد يعطل ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
هذا الإدراك يفسر حرص دول الخليج على إرسال رسائل متوازنة للطرفين: فهي لا ترغب في خسارة التحالف مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحة حرب مفتوحة أو منصة لتصفية الحسابات الإقليمية.
الاقتصاد الخليجي والإيراني: المصالح أوسع من الحرب
رغم التوترات السياسية والأمنية، فإن دول الخليج وإيران ترتبطان بواقع اقتصادي وجغرافي لا يمكن تجاوزه بسهولة. فاستقرار الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز يمثل مصلحة مشتركة للطرفين، لأن أي اضطراب واسع سيؤدي إلى خسائر جماعية تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.
وتدرك العواصم الخليجية أن استمرار التوتر يهدد:
• صادرات النفط والغاز.
• الاستثمارات الأجنبية.
• مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى.
• مراكز المال والطاقة.
• حركة التجارة العالمية.
• سلاسل الإمداد الدولية.
كما أن دول الخليج تسعى منذ سنوات إلى إعادة تعريف موقعها العالمي باعتبارها مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا واستثماريًا، لا مجرد ساحة للصراعات الأمنية. ولذلك فإن أي حرب طويلة ستقوض جزءًا كبيرًا من هذه الرؤية.
ومن هنا تتبلور المقاربة الخليجية القائمة على:
• منع الانهيار الكامل للعلاقة مع إيران.
• إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
• دعم التهدئة الإقليمية.
• تجنب منطق “الهزيمة الكاملة” لأي طرف.
• البحث عن تفاهمات أمنية تقلل احتمالات الانفجار.
عُمان وقطر… عودة الوساطات الهادئة
في خضم هذا المشهد، تعود سلطنة عُمان للظهور بوصفها أحد أهم الوسطاء القادرين على إدارة قنوات الاتصال الخلفية بين واشنطن وطهران. فمسقط حافظت تاريخيًا على سياسة تقوم على الحياد النسبي، وعدم الانخراط في الاستقطابات الحادة، ما جعلها منصة مقبولة للتفاهمات السرية والوساطات المعقدة.
كما تواصل قطر لعب أدوار دبلوماسية تتجاوز حجمها الجغرافي، مستفيدة من شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية، ومن خبرتها في إدارة الملفات المعقدة، سواء في أفغانستان أو غزة والقضية المركزية برمتها، أو التفاهمات الأمريكية مع قوى إقليمية متعددة.
هذه التحركات الخليجية لا تعني الانفصال عن الحليف الأمريكي، بقدر ما تعكس محاولة لإبطاء اندفاع الحرب، وخلق نافذة سياسية تسمح بإعادة ترتيب الملفات الأكثر تعقيدًا:
• الملف النووي الإيراني.
• أمن الملاحة.
• النفوذ الإقليمي.
• مستقبل الوجود العسكري الأمريكي.
• العلاقة بين إسرائيل وإيران.
• ترتيبات الأمن الجماعي في الخليج.
لماذا تبدو هذه الحرب أكثر تعقيدًا؟
المعضلة الأساسية في المشهد الحالي أن الولايات المتحدة، وفق كثير من القراءات الإقليمية، لا تتحرك فقط وفق حساباتها الاستراتيجية التقليدية، بل ضمن بيئة ضغط مرتبطة بالرؤية الإسرائيلية للحرب وأهدافها الأمنية.
وهنا يبرز اختلاف جوهري بين المقاربة الخليجية والمقاربة الإسرائيلية:
• إسرائيل تنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية لتفكيك التهديد الإيراني.
• بينما تنظر دول الخليج إلى الحرب باعتبارها خطرًا شاملًا على استقرار المنطقة واقتصادها وأمنها الداخلي.
ولهذا السبب تبدو الحلول أكثر تعقيدًا، لأن الأطراف الرئيسية لا تتحرك وفق تعريف واحد للنصر أو للهزيمة أو الاستسلام.
فالخليج لا يبحث بالضرورة عن “هزيمة إيران”، بقدر ما يسعى إلى:
• احتواء التوتر.
• تقليل الكلفة.
• منع الانهيار الإقليمي.
• الوصول إلى تفاهمات تقلل احتمالات الحرب الكبرى.
الخليج كعامل حاسم في أي تسوية قادمة
التجارب التاريخية تشير إلى أن دول الخليج كانت دائمًا جزءًا من أي تسوية كبرى في المنطقة:
• في مسارات الصراع العربي الإسرائيلي.
• في الوساطات اللبنانية.
• في الحرب الأمريكية بأفغانستان.
• في ملفات التهدئة مع إيران.
• وفي ترتيبات الطاقة والأمن البحري.
واليوم، تبدو الحاجة أكبر إلى دور خليجي جماعي قادر على الجمع بين:
• النفوذ الاقتصادي.
• العلاقات الدولية.
• أدوات الوساطة.
• القدرة على التواصل مع جميع الأطراف.
فالحرب، مهما اتسعت، ستنتهي في النهاية إلى طاولة تفاوض، والسؤال الحقيقي ليس من يربح عسكريًا فقط، بل من يستطيع منع انهيار المنطقة قبل الوصول إلى التسوية.
وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج مرشحة للعب دور “ميزان التهدئة” أكثر من دور “طرف الحرب”، لأن أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي يرتبطان مباشرة بمنع الانفجار الشامل، لا بتوسيعه.
الخاتمة
في ضوء التعقيدات المتزايدة للمشهد الإقليمي، يبدو واضحًا أن كلاً من واشنطن وطهران، رغم التصعيد المتبادل، باتتا بحاجة إلى طرف يمتلك القدرة على فتح قنوات التهدئة دون أن يُنظر إليه باعتباره خصمًا مباشرًا لأي منهما. وهنا تبرز دول الخليج باعتبارها الطرف الأكثر تأهيلاً للقيام بهذه المهمة، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما أيضًا بحكم الوزن السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الذي راكمته خلال السنوات الماضية.
فالولايات المتحدة تدرك أن حلفاءها الخليجيين هم الأكثر قدرة على استيعاب تداعيات أي مواجهة واسعة، والأقدر على تقديم مخارج سياسية تحفظ الحد الأدنى من التوازن الإقليمي. وفي المقابل، تدرك إيران أن استقرار الخليج ليس ملفًا منفصلًا عن أمنها القومي، وأن أي تسوية طويلة الأمد لا يمكن أن تتم دون تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة مع العواصم الخليجية.
ومن هنا، فإن الخليج لا يتحرك فقط باعتباره وسيطًا تقليديًا، بل باعتباره شريكًا في صياغة معادلة أمن إقليمي جديدة، تقوم على تقليل الكلفة، وحماية المصالح المشتركة، ومنع انهيار منظومة الطاقة والملاحة والتجارة الدولية.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الحروب قد تبدأ بقرارات عسكرية، لكنها لا تنتهي إلا بتوازنات سياسية. وفي هذه اللحظة الحرجة، يبدو أن دول الخليج تمتلك فرصة تاريخية للتحول من موقع التأثر بالحروب إلى موقع التأثير في نهاياتها، عبر توظيف ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها الدولية وقدرتها على إدارة التناقضات، لصناعة مساحة تفاهم قد تمنع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يملك أحد ضمان حدودها أو نتائجها.
——————
٢٠ مايو ٢٠٢٦ م
