خصخصة (النخاع الشوكي المالي): بين السيادة الرقمية وتحديات الأمن القومي

​الصادق محمد أحمد

​يمثل قطاع المدفوعات والمعاملات المالية المصرفية أحد أكثر هذه البنى حيوية، حيث يُصنف إستراتيجياً بأنه (النخاع الشوكي) للإستقرار الإقتصادي والإجتماعي، ومن هذا المنطلق فإن فحص آليات إدارة هذا القطاع في بيئات الأزمات يتطلب صرامة تحليلية تفكك أبعاد القرارات الإدارية والسيادية، وتزن بميزان الذهب حدود الفاصل بين متطلبات التحديث التقني ومهددات الاختراق الأمني.

​إن منح ترخيص (محوّل المعاملات المالية – Financial Switch) لكيانات ناشئة وخاصة في توقيت تعيش فيه الدولة حالة استقطاب وحرب اقتصادية شرسة يثير جملة من التساؤلات الإستراتيجية حول (أمن البيانات السيادية)، فالمحول المالي ليس مجرد تطبيق رقمي أو منصة وسيطة، بل هو المستودع المركزي الذي تمر عبره تفاصيل السلوك المالي والأرصدة والتحويلات والبيانات الشخصية لملايين المواطنين والمؤسسات السيادية ، وفي الأعراف الأمنية يُعتبر الاحتكار الحكومي الصارم لهذه البيانات صمام أمان ضد التجسس الإقتصادي وضد عمليات الهندسة الاجتماعية التي يمكن أن تستغلها قوى إقليمية معادية لتجفيف السيولة أو ضرب الثقة في النظام المصرفي ككل.

​تاريخياً وعالمياً تتجه الدول التي تحترم أمنها الاستراتيجي إلى إدارة هذه المحوّلات عبر أذرع تقنية تابعة مباشرة للبنك المركزي، أو عبر تحالفات وطنية تخضع لرقابة صارمة من أجهزة الأمن السيبراني والاستخبارات المالية. إن القفز نحو تغليب القطاع الخاص في قضايا بهذه الحساسية وتجاوز المؤسسات الحكومية العريقة التي راكمت خبرات تقنية ممتدة على مدى عقود في إدارة المدفوعات الإلكترونية يمثل تراجعاً غير مبرر عن مفهوم (المرونة المؤسسية) ،فالكيان الخاص مهما بلغت كفاءته التقنية يظل محكوماً بمنطق الربحية، ومعرضاً لمخاطر الإنهيار الفني أو الإفلاس التجاري أو الضغوط والاضطرابات الأمنية، مما يضع القرار المالي للدولة بأسرها تحت رحمة (المشغل الخاص) الذي يملك فيزياء الخوادم (Servers) ومفاتيح التشفير.

​الأخطر من ذلك، هو بُعد (المرونة السيبرانية- Cyber Resilience) في زمن السحابات الرقمية (Cloud Systems)، إذ إن ربط الأنظمة المصرفية والمالية للدولة بسحابات تقنية تدار عبر واجهات خاصة دون وجود بنية تحتية وطنية مستقلة (On-Premise) ومحصنة بالكامل في مناطق سيطرة الدولة يفتح ثغرة يصعب رتقها أمام الهجمات السيبرانية العابرة للحدود، وفي ظل وجود قوى إقليمية تتبنى إستراتيجية واضحة لتدمير بنيتنا الوطنية فإن تتبع سرعة صعود الشركات الناشئة ووصولها إلى مراكز القرار المالي يفرض التزاماً صارماً بمبدأ (التحقق الأمني المسبق والمستمر -Due Diligence) لكل الشراكات وذلك للتأكد من خلوها من أي إرتباطات أو سلاسل توريد برمجية مشبوهة قد تُستخدم كأحصنة طروادة رقمية.

​إن النتيجة الحتمية التي يجب أن يستقر عليها الفكر الإستراتيجي للدولة هي أن التطور التكنولوجي والتحول الرقمي ضرورة لا غنى عنها، ولكن يجب أن يتم إنتاجه وإدارته داخل حاضنة السيادة الوطنية ، فلا يمكن رهن الصندوق الأسود للاقتصاد القومي للمغامرات التجارية أو الحلول المستوردة غير المختبرة عملياً في ظروف الطوارئ القصوى. إن حماية معاش الناس، وتحصين أسرارهم المالية وضمان إستمرار نبض الجهاز المصرفي هي معارك سيادية بامتياز ، معارك تتطلب إبقاء مفاتيح الخزائن الرقمية في يد الدولة وأجهزتها الأمنية والرقابية، وإلا فإن ثمن التراخي في مربع التقنية سيكلفنا غداً خسارة فادحة في مربع السيادة.

والله من وراء القصد.