السفير.د.معاوية البخاري
لم تعد أي مقاربة للاتفاق الأمريكي–الإيراني ممكنة بمعزل عن فهمه كجزء من بنية صراع مركّب، تُفصل فيه واشنطن بين “إدارة الحرب” و“إنهائها”، بينما تعيد طهران تعريف مفهوم الحرب ذاته، بحيث لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة. في هذا السياق، يصبح أي اتفاق، سواء كان جزئياً أو مرحلياً، أداة لإعادة توزيع الضغط، لا لتصفيره. ويتضح ذلك من الدعوات الأمريكية للصين واوربا في المشاركة في فتح مضيق هرمز.أولاً: إبقاء قرار الحرب في يد واشنطنمنذ انسحاب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني في عهد دونالد ترامب مايو ٢٠١٨، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة هندسة ميزان القرار، بحيث تظل هي الطرف القادر على تحديد سقف التصعيد وتوقيته. يتجلى ذلك في ثلاث آليات رئيسية: • التجزئة المرحلية للاتفاق: بدلاً من العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة بصيغتها الكاملة، تميل واشنطن إلى ترتيبات محدودة (تجميد مقابل تخفيف جزئي للعقوبات)، بما يُبقي أدوات الضغط قائمة. • الردع المرن: أي الجمع بين التهديد العسكري غير المُفعّل، كما هو في الحرب الثنائية بشراكة إسرائيل والإبقاء عليه كخيار دائم، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. • التحكم في المجال الاقتصادي: عبر منظومة العقوبات، التي تُمكّن الولايات المتحدة من تصعيد أو تخفيف الضغط دون الحاجة إلى استخدام القوة. كما هو الحال الان بالحصار على المواني وهرمز.بهذه الأدوات، لا تسعى واشنطن إلى “السلام” بقدر ما تسعى إلى إدارة النزاع ضمن سقف يمكن التحكم فيه، مع احتفاظها بحق نقض أي مسار لا يخدم مصالحها.ثانياً: الحرب الاقتصادية كبديل دائمبالنسبة لإيران، لا يعني وقف العمليات العسكرية نهاية الحرب، لأن جوهر الصراع، كما تدركه طهران، اقتصادي بالدرجة الأولى. فالعقوبات الأمريكية لا تُستخدم فقط كوسيلة ضغط، بل كأداة لإعادة تشكيل السلوك السياسي والاقتصادي الإيراني. • الاقتصاد كساحة مواجهة: العقوبات على النفط، النظام المالي، وسلاسل الإمداد تُعد امتداداً للحرب بأدوات غير عسكرية. • استراتيجية الصمود: تعتمد طهران على تنويع الشركاء، خاصة مع الصين وروسيا، لتخفيف أثر العزلة. • اقتصاد الظل: تطوير شبكات التفاف على العقوبات عبر جوارها ، بما في ذلك التجارة غير الرسمية والآليات المالية البديلة.من هنا، فإن أي تهدئة عسكرية لا تُترجم بالضرورة إلى تهدئة استراتيجية، لأن أدوات الضغط الأساسية تظل قائمة.ثالثاً: لبنان كساحة ضغط متبادلفي ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر في لبنان، يتحول المسرح اللبناني إلى جزء من معادلة الردع الإقليمي. فحزب الله يمثل أحد أهم أذرع النفوذ الإيراني، ويُستخدم كوسيلة لخلق توازن مع إسرائيل. • التصعيد المُنضبط: إسرائيل تسعى إلى إضعاف البنية العسكرية للحزب دون الانجرار إلى حرب شاملة. • الردع غير المباشر: إيران تُبقي المواجهة ضمن حدود الوكلاء، لتجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. • تعدد الجبهات: ربط الساحات (لبنان، سوريا، العراق، اليمن وربما البحر الأحمر) يخلق بيئة ضغط معقدة على إسرائيل.هذا التوازن الهش يعكس إدراك الطرفين أن الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد يخرج عن السيطرة.رابعاً: قدرة إيران على مواجهة الاستراتيجية الأمريكيةرغم الضغوط، طورت إيران نموذجاً خاصاً في مواجهة الهيمنة الأمريكية، يقوم على مزيج من الصلابة والمرونة: • الردع غير المتكافئ: عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق، التي تُشكّل تهديداً مستمراً دون الحاجة إلى تفوق تقليدي. • الشبكات الإقليمية: توظيف الحلفاء والوكلاء لتعويض الفجوة في القوة العسكرية المباشرة. • التكيّف الاستراتيجي: الانتقال بين التصعيد والتهدئة وفقاً للظروف، دون الالتزام بنمط ثابت.غير أن هذه القدرة تبقى مقيدة بعوامل داخلية (الاقتصاد، الرأي العام) وخارجية (التوازنات الدولية، خاصة مع أوروبا والولايات المتحدة).خامساً: بين وقف العمليات واستمرار الحربالفرضية الأساسية التي تحكم هذا المشهد هي أن “وقف إطلاق النار” لا يعني “نهاية الحرب”. فالحرب في هذا السياق متعددة الأبعاد: • عسكرية (قابلة للتجميد) • اقتصادية (مستمرة) • سياسية (تفاوض دائم) • إقليمية (صراع نفوذ عبر الوكلاء)وبالتالي، فإن أي اتفاق أمريكي–إيراني يُفهم كمرحلة ضمن صراع أطول، لا كنقطة نهاية.سادساً: مناطق المرونة (القابلة لإعادة الصياغة)هنا تكمن مساحة التفاوض الحقيقية. تستطيع إيران القبول بقيود زمنية، مستويات تخصيب محددة، آليات رقابة موسعة، أو حتى تجميد أجزاء من النشاط، بشرط أن تكون: • قابلة للعكس (reversible)، • محددة زمنياً، • ومقترنة برفع ملموس للعقوبات.بهذا المعنى، لا تتنازل إيران عن “الحق”، بل عن “مستوى الممارسة” مؤقتًا.سابعاً: المقايضة الاستراتيجية الأوسعإيران لا تنظر للاتفاق النووي بمعزل عن الإقليم. أي تنازل في الملف النووي يقابله، ضمنيًا أو تدريجيًا، اعتراف بدورها الإقليمي وخطة أمنية أشمل تضمن كل دول الاقليم أو على الأقل تخفيف الضغوط عليه. لذلك، فإن سقف التنازل يرتبط بما إذا كانت واشنطن مستعدة للفصل بين النووي والسلوك الإقليمي، أو الاستمرار في ربطهما.الخلاصة التحليليةإيران قد “تقبل” باتفاق يبدو ظاهريًا دون سقف طموحاتها المعلنة، لكنها عمليًا لن تتنازل عن جوهر القدرة، بل ستعيد توزيعها زمنياً وتقنياً. التنازل، إذن، ليس في امتلاك القدرة، بل في إبطاء تفعيلها.وعليه، فإن السؤال الأدق ليس: إلى أي مدى ستتنازل إيران؟بل: إلى أي مدى تستطيع إعادة تغليف التنازل بحيث لا يبدو تنازلاً؟ او النزول من اعلى الجبل او الشجرة كما يقولون.ضمن هذا الإطار، يظل الاتفاق المتوقع،إن تم،تسوية مؤقتة بين إرادتين:إرادة أمريكية تسعى لتقييد القدرة، وإرادة إيرانية تسعى للاحتفاظ بها مؤجلة، لا ملغية.——————٥ مايو ٢٠٢٦ م
