صدى الأحداث
الفاتح الشيخ : يكتب
إعلان نيروبي.. أحلام اليقظة
١. منذ أن وضع اليسار السوداني خدماته تحت تصرف المشروعات الغربية، ظل يعيش على إعادة تدوير الوجوه، واستنساخ الشعارات، وتغيير أسماء الواجهات بين حين وآخر، في محاولة دائمة لإقناع الرعاة الخارجيين بأن هناك مشروعًا جديدًا، بينما الحقيقة أن ذات المجموعات تعود كل مرة بطلاء مختلف فقط.
٢. تنعقد هذه الأيام في العاصمة الكينية نيروبي، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محطة دائمة لاجتماعات المشاريع المدعومة خارجيًا، اجتماعات لشتات اليسار السوداني بمسمياته المختلفة، تحت عنوان “إعلان نيروبي لبناء وطن جديد”، وهي محاولة جديدة لصناعة تحالف يتم إنتاجه خارج الإرادة الشعبية، ثم تسويقه سياسيًا وإعلاميًا، تمهيدًا لإعادة تقديم ذات المشروع القديم وتسليمه لوجوه وأسماء جديدة، بعد أن استنفدت الواجهات السابقة أغراضها وفشلت في اكتساب أي قبول حقيقي داخل الشارع السوداني.
٣. ويغيب عن القائمين على هذه الأنشطة أن أزمة هذه المشاريع ليست في الأسماء ولا في طبيعة التحالفات، وإنما في جوهر الأهداف نفسها، وهي الأهداف الأكثر ارتباطًا بالرغبات الخارجية، والأكثر تصادمًا مع البنية الاجتماعية والثقافية والدينية للمجتمع السوداني.
٤. فرغم كثرة الشعارات التي تُرفع في مثل هذه الاجتماعات، ظلت قضيتان تمثلان البضاعة الحقيقية المطروحة منذ سنوات: فرض العلمانية بصيغ مختلفة، وإبعاد الإسلاميين من المجال العام. أما بقية العناوين المتعلقة بالديمقراطية والسلام والعدالة، فكثيرًا ما تتحول إلى مجرد أدوات تجميل سياسي لتسويق المشروع داخليًا وخارجيًا.
٥. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول معظم هذه المنصات، منذ مشروع “السودان الجديد” وحتى “إعلان نيروبي”، إلى ساحات صراع حول السلطة وتمكين الخارج من رقبة السودان أكثر من كونها منصات لمعالجة أزمات السودان الحقيقية المرتبطة بالحرب والاقتصاد والخدمات والاستقرار.
٦. المعضلة الكبرى أن هذه المشاريع، رغم ما حظيت به من دعم سياسي وإعلامي ومالي طوال العقود الماضية، ظلت تصطدم بحقيقة ثابتة، وهي أن غالبية المجتمع السوداني ترى فيها مشروعًا معزولًا عن وجدانها وقيمها وتاريخها.
٧. بل إن هذه الفجوة اتسعت بصورة أكبر بعد تمرد الدعم السريع، حين انحازت هذه القوى إلى خطاب التمرد، وتحولت إلى أدوات ضغط سياسي وإعلامي تخدم الأجندة الخارجية، الأمر الذي عمّق حالة الرفض الشعبي تجاهها.
٨. والمفارقة أن التسريبات الواردة من داخل اجتماعات نيروبي نفسها تؤكد أن القوم لم يتغيروا حتى في طريقة إدارة خلافاتهم، إذ تتحدث المعلومات عن حالة توتر وانقسام حاد بين مكونات “صمود” وحلفائها، وسط محاولات إقليمية ودولية لإعادة هندسة تحالف جديد.
٩. ووفقًا لما يتداول من داخل القاعات المغلقة، اندلعت خلافات حادة حول النص الصريح على “علمانية الدولة”، بينما حاولت بعض الأطراف تمرير صيغ ملتفة تؤدي ذات المعنى دون التصريح به، تجنبًا لردة فعل الشارع السوداني.
١٠. وهنا يظهر التناقض الأكبر: إذا كانت هذه القوى عاجزة حتى عن الاتفاق على تعريف هويتها الفكرية داخل غرفة مغلقة، فكيف تدّعي القدرة على إعادة تأسيس دولة كاملة متعددة الأعراق والثقافات والتعقيدات؟
١١. فالإعلان تحدث عن “عملية سياسية مصممة بإرادة سودانية”، لكنه ناقض نفسه حين حمّل المجتمعين الإقليمي والدولي مسؤولية إطالة الأزمة بسبب ضعف الفاعلية تجاه السودان، بينما دعا في الوقت ذاته إلى ممارسة مزيد من الضغط السياسي والإنساني.
١٢. ورغم الإغراق في الحديث عن الديمقراطية، فإن الإعلان لم يوضح طبيعة العملية السياسية التي يدعو إليها، ولا كيفية الوصول إلى السلطة بعيدًا عن “صفقات تقاسم السلطة” التي هاجمها نظريًا، بينما مارس عمليًا ذات المنهج القائم على صناعة التحالفات خارج الإرادة الشعبية.
١٣. والأكثر تناقضًا أن الإعلان بشّر بالديمقراطية، ثم صادر نتائجها مسبقًا عندما قرر أنه “لا شرعية لأي عملية سياسية تعيد إنتاج المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية”، وهو ما يكشف أن القضية ليست دفاعًا عن الديمقراطية بقدر ما هي محاولة لفرض إقصاء سياسي مسبق تحت أي لافتة.
١٤. كما تحدث الإعلان عن ضرورة بناء إجماع شعبي لإسناده، وهو اعتراف ضمني بأن هذه القوى ما تزال تفتقد السند الشعبي الحقيقي، وربما كانت هذه هي الحقيقة الوحيدة التي أقر بها الإعلان بصورة غير مباشرة.
١٥. وفي ذات الوقت، تحدث الإعلان عن إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس مهنية، رغم أن هذه المؤسسات تستند اليوم إلى حاضنة شعبية واسعة، الأمر الذي يطرح سؤالًا منطقيًا: كيف لمن يبحث أصلًا عن السند الشعبي أن يمنح نفسه حق إعادة تشكيل مؤسسات تملك بالفعل ذلك السند؟
١٦. كما هاجم الإعلان تعدد الجيوش والمليشيات، بينما يجلس أصحابه مع عبد الواحد محمد نور بصفته قائدًا لـ“جيش تحرير السودان”، وسبق لهم التوقيع مع حميدتي في أديس أبابا، بل ظل بعضهم يرفض حتى تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية بحجة أن ذلك “لا يخدم التحول المدني الديمقراطي”.
١٧. وظل الملف الإنساني حاضرًا بقوة داخل الإعلان، باعتباره أحد أهم أدوات الضغط التي يحاول الرعاة الخارجيون استخدامها للعودة إلى التأثير في السودان بعد فشل رهانات أخرى سياسية وعسكرية وإعلامية.
١٨. والأخطر من ذلك أن التسريبات تتحدث عن محاولات دولية لتجاوز كل هذه التناقضات عبر البحث عن “قاسم مشترك” وحيد يجمع هذا الشتات، يتمثل في تصنيف الإسلاميين كـ“منظمة إرهابية”، باعتبار أن العداء للإسلاميين أصبح الرابط الوحيد القادر على إبقاء هذا التحالف متماسكًا ولو بصورة مؤقتة.
١٩. وهذا يكشف عمليًا فشل الاستثمار السياسي في التصنيف الأمريكي الأخير، رغم الحملة الإعلامية والسياسية الواسعة التي سبقته وتلته، والتي شاركت فيها ذات القوى عبر التحريض الإعلامي، ومحاولات ربط السودان بالإرهاب وإيران.
٢٠. كما يكشف ذلك بوضوح أن محاولات تصنيع قيادة سياسية من خارج الواقع السوداني لا تقوم على مشروع وطني متماسك، وإنما على “الخصومة المشتركة” فقط، وهي وصفة لا تنتج دولة، بل تنتج تحالفات هشة سرعان ما تنفجر من الداخل.
٢١. ولذلك فإن القوى التي لا يجمعها مشروع اقتصادي واجتماعي وسياسي واضح، لا يبقى بينها في النهاية سوى الصراع على النفوذ، والتنافس على الحصص، والبحث عن رضا الرعاة الخارجيين.
٢٢. ولهذا تنتهي مثل هذه الاجتماعات غالبًا إلى واحد من احتمالين: إما بيان رمادي باهت خالٍ من أي مضمون حقيقي، أو انهيار المنبر بالكامل، قبل الانتقال لاحقًا إلى اسم جديد، ومنصة جديدة، وتمويل جديد، مع بقاء ذات الوجوه وذات الأزمة القديمة.
٢٣. أما السودان الحقيقي، بشعبه ومجتمعه وتعقيداته التاريخية، فيظل أبعد ما يكون عن هذه الغرف المغلقة التي تحاول إعادة تشكيله من الخارج، دون أن تفهمه أصلًا.
٢٤. ونأمل أن يلفت هذا المؤتمر انتباه القيادة السياسية إلى أن أي محاولة للاستثمار في هذا الشتات، أو الاعتقاد بامتلاكه تأثيرًا حقيقيًا رغم تعارضه مع تطلعات الشعب السوداني، ليست سوى مضيعة للوقت والجهد الذي يمكن توجيهه إلى ما ينفع البلاد والعباد.
تحياتي
الفاتح الشيخ
٢٤ / مايو /٢٠٢٦
