تجاوزات المنشقين عن المليشيا: بين هيبة الدولة وكرامة المواطن

الصادق محمد أحمد

​شهدت الأيام الماضية فصلاً جديداً من فصول التداعي داخل ميليشيا الدعم السريع المتمردة، تمثّل في عودة عدد من قياداتها معلنين انشقاقهم عنها. ورغم أن القواعد الاستراتيجية في الحروب تبارك انشقاق العدو وتفكك جبهته، و لكن قطاعاً واسعاً من الشارع السوداني قبل على مضض هذه العودة مكسور الخاطر ومثقلاً بالجراح، إلا أنه آثر احترام قرار القيادة العسكرية والسياسية في قبول هؤلاء حقناً للدماء وتفكيكاً لبنية التمرد، لكن السلوك الاستفزازي لهؤلاء العائدين عقب وصولهم وظهورهم غير المسؤول عبر الفضائيات ومنصات التواصل قد فتحا الباب أمام تساؤل ملح ومصيري: أين هي شروط الدولة وضوابطها السيادية لحفظ هيبتها وكرامة شعبها؟
​إن المشهد الذي أطلّ فيه القائد المليشياوي السابق علي رزق الله (السافنا) عبر شاشة الجزيرة مباشر منفصلاً عن الواقع ومنفعلاً لمجرد سؤاله عن تقديم اعتذار للشعب السوداني هو مشهد يستوجب الوقوف عنده طويلاً كنموذج صارخ للمكابرة. فحين يرد السافنا بما معناه (إنه لم يحارب الشعب السوداني بل حارب القوات المسلحة والمساندة لها)، فهذا مثال للخطيئة الأخلاقية الكبرى ،هذا الادعاء لا يمثل إنكاراً لواقع مأساوي عاشه ويعيشه المواطن السوداني فحسب، بل يعكس غياب الفهم لطبيعة (الندم والعودة)، فالسافنا يعلم تمام العلم أن القوات المسلحة هي المؤسسة الشرعية التي تمثل كل بيت سوداني، وأن الحرب ضدها هي حرب ضد أمن واستقرار ووجود المواطن نفسه، ناهيك عن الانتهاكات الجسيمة والفظائع التي ارتكبتها الميليشيا -التي كان السافنا حتى الأمس القريب جزءاً من منظومتها- والتي شملت استباحة القرى والقتل والنهب والتهجير القسري للمواطنين العُزّل.
​وفي نموذج آخر للفوضى وعدم الانضباط تداولت المواقع أخباراً عن عودة البوق الإعلامي السابق للميليشيا إبراهيم بقال ، هذا الكائن الذي أمطر الشعب السوداني لشهور طويلة بأبشع الشتائم عبر منصات التواصل، يعود اليوم مستفزاً المشاعر الوطنية بتصريحات متعالية تداولتها المواقع، إن هذا السلوك الصبياني وغير المسؤول لا يسيء للمواطن فحسب، بل يسيء للدولة التي استقبلته وآوته هو وغيره من المنشقين ،ويظهر العائد بمظهر المنتصر لا بمظهر النادم المستفيد من عفو الدوله .
​ إن مفهوم العفو في أزمنة الحروب هو ( إحدى الأدوات لتفكيك العدو) وليس صك غفران يمنح المذنبين حق الاستعلاء على الضحايا أو إنكار دماء الذين قضوا على أيديهم ،ومن هنا فإن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع اليوم بالكامل على عاتق القوات المسلحة والحكومة السودانية لإتخاذ خطوات فورية وصارمة تمنع تحول هذه العودة إلى مظهر من مظاهر الفوضى والاستخفاف بكرامة المواطن، وذلك عبر تفعيل أربعة إجراءات سيادية عاجلة:
​أولاً: فرض الصمت الإعلامي والسياسي الإجباري: حيث يجب على السلطات الأمنية والعسكرية إلزام أي شخص ينشق عن الميليشيا بالابتعاد التام والقطعي عن الأضواء، والمنصات الرقمية، والفضائيات. إن السماح لعائدين كانوا حتى الأمس القريب جزءاً من آلة القتل والنهب والانتهاكات الجسيمة بالظهور الإعلامي وتبرير مواقفهم السابقة هو طعنة في خاصرة أسر الشهداء وذوي الضحايا ،فالعودة تعني الانكسار لشرعية الدولة، والانكسار لا صوت له.
​ثانياً: التمييز القانوني الصارم بين الحق العام و الحق الخاص: يجب على الحكومة أن تعلن بوضوح لا لبس فيه، أن العفو العام الذي تمنحه الدولة بناءًا على تقديراتها العسكرية لتفكيك التمرد هو عفو يسقط الملاحقة بتهمة التمرد العسكري فقط، أما الحق الخاص المتعلق بدماء المواطنين، وأعراض الماجدات، والأموال والبيوت المنهوبة، فهو حق حصري ومقدس لأصحابه ومتضرريه من أبناء الشعب السوداني، ولا تملك أي سلطة سياسية أو عسكرية صكاً للتنازل عنه أو مقايضته، وبالتالي فإنه يجب إخضاع كل عائد لعملية فحص وتدقيق جنائي دقيقة للتأكد من عدم تورطه في جرائم حرب مباشرة ضد المدنيين.
​ثالثاً: تفعيل مكاتب التحقيق والمراقبة الأمنية: بحيث تصبح عودة أي كادر من الميليشيا سواء كان عسكرياً أو إعلامياً، خاضعة لبروتوكول أمني صارم يتضمن هذا البروتوكول التحقيق الفوري والمطول لجمع المعلومات الاستخباراتية، يليه وضع العائد تحت الإقامة الجبرية أو المراقبة الأمنية اللصيقة لضمان انضباطه، وسحب أي امتيازات مستفزة للرأي العام.
​رابعاً: الإعتذار والندم علناً كشرط للقبول: بحيث يكون واضحاً لجميع منسوبي التمرد العائدين أن الدولة لن تقبل عائداً ما لم يقدم إعتذاراً علنياً مكتوباً وموثقاً للشعب السوداني أولاً، وللمؤسسة العسكرية ثانياً، يقر فيه بجرم التمرد ويعترف بالانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الميليشيا، ويعلن ندمه التام، يجب أن يفهم (السافنا) وغيره من المتمردين السابقين أن مغادرة مربع التمرد لا تكتمل إلا بالإنحناء لتضحيات المواطن، و أن من حارب الجيش فقد حارب الشعب.
​إن قطاعاً عريضاً من الشعب السوداني المكتوي بنار الحرب قد احتمل قرار القيادة بقبول هذه الانشقاقات وتسامى فوق جراحه من باب المصلحة الوطنية العليا وحقناً للدماء، لكن هذا الصبر و هذا التسامي لا يجب أن يُفسرا على أنهما تنازل عن الكرامة أو ضياع للحقوق، رصانة الدولة وهيبتها تتجليان في أن تدير هذا الملف بحسم غليظ ،فالسودان الذي يخوض معركة وجودية لا يمكن أن يسمح بالمزايدات الإعلامية ممن نكّلوا بشعبه بالأمس، صحيح أن العودة مقبولة لتفكيك (الباطل)، ولكن بشروط (الحق) وتحت سقف القانون، وبمنتهى الانكسار أمام تضحيات هذا الشعب العظيم وقواته
المسلحة.