بين النصّ وفهم الإنسان: معضلة تأويل المطلق في الوعي البشري

بين النصّ وفهم الإنسان: معضلة تأويل المطلق في الوعي البشري
٢٠٢٦/٠٥/٠٨
د. الهادي عبدالله أبوضفائر

ليس التراث السلفي كتلةً صمّاء كما يتخيّله بعضنا، ولا هو يقينٌ مكتمل كما يتمنّاه آخرون، بل هو مساحةٌ مركّبة، يتجاور فيها المطلق مع النسبي، ويتداخل فيها صوت النص مع صدى الإنسان. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى تمييزٍ دقيق، لا بدافع النقد السطحي ولا رغبةً في الهدم، بل بحثاً عن تحرير النص من اختناقه داخل قوالب لم تُصنع لتدوم.

إن القرآن، في جوهره، ليس خطاباً تاريخياً يخصّ لحظةً بعينها، بل هو أفقٌ مفتوح، يتجاوز اللحظة دون أن ينفصل عنها، ويخاطب الإنسان لا بوصفه كائناً في زمنٍ محدّد، بل باعتباره مشروعاً مستمراً في التشكّل. هو نصٌّ يمنح الإمكان، لا يفرض الاكتمال، ويزرع الأسئلة بقدر ما يقدّم الإجابات. لذلك ظلّ قادراً، عبر القرون، على أن يكون حاضراً في كل مرحلة، لا لأن معانيه ثابتةٌ جامدة، بل لأن طاقته على التجدّد لا تنضب.

في المقابل، فإن ما أنتجه الإنسان حول هذا النص، مهما بلغ من العمق والصدق يظلّ فعلاً تاريخياً، مشروطاً بزمانه ومكانه وأدواته المعرفية. لم يكن السلف ألسنةً للمطلق، بل قرّاءً له، وكلّ قراءةٍ، في جوهرها، احتمالٌ بين احتمالاتٍ لا تنفد. لقد واجهوا أسئلة عصرهم، فأجابوا بما أتاحه لهم وعيهم وسياقهم، فكانت تصوّراتهم حلولاً ممكنة، لا نهاياتٍ مغلقة للفهم.

غير أنّ الإشكال لم يولد ساعةَ تشكّلت تلك القراءات، بل حين أُسبغت عليها قداسةٌ تُجمّدها. عندها انقلب الميزان. غدا الفهم مرجعاً نهائياً، وتوارى النصّ خلف ظلاله. لم نعد نقرأه لنهتدي، بل نقرأ أنفسنا فيه عبر وسائطٍ عتيقة، نكرّرها دون وعيٍ بشروطها. وهكذا يفقد النصّ نبضه، ويصبح أسيراً، وتتحوّل الحقيقة من أفقٍ مفتوح إلى قالبٍ مكتمل، لا يقبل الإضافة ولا يحتمل المراجعة.

إن الخلط بين ما هو قرآني وما هو بشري ليس مجرد خطأٍ معرفي، بل هو أزمة وعي. فهو يُغلق باب الاجتهاد بدعوى الاكتمال، ويُحوّل التاريخ إلى سلطة، لا إلى تجربة. ومع الزمن، لا يعود الإنسان قادراً على مساءلة ما ورثه، لأن ما ورثه قد أُلبس لباس القداسة، وصار الخروج عليه خروجاً على النص نفسه، لا على الفهم.

لكن الحقيقة الأعمق أن النص لا يحتاج إلى حراسة، بل إلى قراءة. لا يخشى التعدّد، بل يتغذّى عليه. فاختلاف المفسّرين لم يكن ضعفاً في النص، بل دليلاً على ثرائه، وتباين الفقهاء لم يكن خللاً في الدين، بل علامةً على حيويته. المشكلة ليست في تعدّد الفهم، بل في ادّعاء امتلاك الفهم.

ولعلّ أكثر ما يحتاجه وعينا اليوم ليس أن نُعيد إنتاج التراث، بل أن نُعيد النظر في علاقتنا به. أن نُدرك أن السلف لم يكونوا نهاية الطريق، بل إحدى محطّاته، وأن اجتهادهم كان شجاعةً في الفهم، لا دعوةً إلى التوقّف. فليس الوفاء لهم في تكرارهم، بل في امتلاك الجرأة ذاتها التي امتلكوها حين واجهوا نصاً مفتوحاً بعقلٍ مفتوح.

القرآن ليس نصّاً يُحاط، بل أفقٌ يتّسع كلما اقتربنا منه، أمّا الفهم البشري فخطوةٌ في الزمن، يضيء بقدر ما يعي حدوده. ومن هنا، فإن التمييز بينهما ليس قطيعة، بل اتزانٌ يحفظ للمطلق سموَّه، وللإنسان حقّ الاجتهاد دون ادّعاء الاكتمال. لسنا بصدد هدم الماضي، بل تحريره من أن يُستدعى خارج سياقه، ولا تقييد الحاضر في قوالب لم تُصنع له. فالمطلق لا يُختزل في قراءة، كما أنّ القراءة، مهما سمت، تظلّ أثراً إنسانياً لا يبلغ مرتبة المطلق.

وفي هذا الفضاء بين النصّ والظلّ، بين الوحي وتأويله، يولد المعنى الحقيقي: لا كحقيقةٍ جاهزة، بل كرحلةٍ مستمرة، يشارك فيها الإنسان بوعيه، ويتجدّد فيها النص بقدر ما نمتلك شجاعة قراءته من جديد.
abudafair@hotmail.com